أسطورة عازف الأبديَّة

الخميس 07 تشرين أول 2021 281

أسطورة عازف الأبديَّة
 ناجح المعموري 
 
 العنوان مختصر، والاختصار تعبير عن تمركز السرد. الشاعر عمر الدليمي حكواتي، لديه اقتدار على ابتكار مروياته ودائماً ما تكون طويلة وفي محكيات الشهر نهوض للشعر. بمعنى دائماً ما يكون السرد متمتعاً بحضور، يتمدد به الشعر ويتكشف ويحوز حضوراً ولدى الشاعر مثل هذه الظاهرة وتكاد تكون سمة مميزة لكثير من الشعراء، ولعل الشاعر علي ثجيل وكريم أمين هم اكثر الشعراء اغتناء بشعر السرد. 
ووجدت في تجربة الدليمي نوعاً مبهراً ولافتاً للانتباه، إذ يكون العنوان استهلالاً كاشفاً لمعنى وداخلاً بكل قوته نحو السرد فعندما نقرأ «موت الناي» نستمع لتفاصيل الحكي الذي حاز على الكثير من المعاني حتى يتحول المتلقي لقارئ مبتكر للمحكية ويتعرف على ما في النص من شعر وصعود طاقة. لذا يضيء «موت العنوان» محكية طويلة، لها زمن عميق وتاريخ ممتد ومعروف بأن للحكي امكانية ذات تنوع وتعدد، هي تعطي الحكي تشجيراته، وهذا ما سيتضح في قراءة النص. 
كما سنرى بأن المحكية حائزة على اساطير متداخلة، توفر تشاكلها طاقة كامنة، وحضورا فيه تمجيد للذاكرة التي حافظت على ما التقطته وجعلته خزاناً غير معطل. من هنا انا دائماً ما أوكد على المحكيات غارقة بالانثوغرافيا المانحة للنص قياساً، هو الذي يجعل من المحكية استدعاءً للماضي والحاضر ويفيضان للمستقبل مهارة المفاجأة الاولى في المحكية هي موت الناي. هذا العنوان حسم التقرير الاستهلالي، لكنه لن يتعطل بل ينفتح على قياسات نصية كثيرة مثلما سيتضح. 
محكية الغياب ومروية الصامت، المقهور، المغدور، المخدر في كل مزاولة فيها تعريف بالحياة وايجابيات ديمومة حضورها وقوتها. هذه كشوف المخفي، المسكوت عنه، وهذه هي منطقة الشعرية التي تقود الى نوافذ متنوعة، مثيرة ومدهشة. موت الناي. ولم يحدد الناي المشار اليه، والشاعر يعني كلها ميتة ومثل هذا الموت محو كلي.. الموت تعطل، وتوقف كل ما كان يمارسه الغائب، لكن المتلقي لا يقوى على إلغاء دور السلطة اللاعبة لاخضاع ما يزعجها ويمارس ما يمجد أنماطه المثيرة للدهشة «مات ناي» لكن الشاعر يعرف المخاطب لذا تحاور معه وابتدأ بالسؤال، وتعدد الأسئلة في النص:
لماذا لا تعرف؟
أنايك أخرس، أم روحك عاطلة؟
كم عذبت القصب حتى صنعت نايك هذا، 
فلماذا يابسة وكل هذي الاغنيات 
تجلس قبالة شجرة ميتة وتترك بقية أشجارك تتناثر على أرض نسيانك/ ص38.
ولان مقالتنا ابتدأت بالسؤال، ظل الجواب كامناً بصمته.. لكن الجواب متنوع، فالعازف مطارد بتعدد الاسئلة: كم عذبت القصب حتى صنعت نايك هذا / ص38/ سنوات وفرتها يا سيدي العازف وأنت تطوف بين القصب، وتستعيد قوة القداسة وما يقوله الاله السابح فوق الآبسو ليناً، طرياً، رطباً، يعطيه اكثر ما يؤخذ منه. السؤال الذي يكرره الشاعر //فلماذا يابسة كل هذي الاغنيات؟ القصب وسط الآبسو سابح بالماء العذب وهذا مجده الاله انكي.. والسؤال المتردد بقوة الخرس. فلماذا يابسة كل هذي الاغنيات؟ الموت زاحف، ممتد، ولم يكن ناي ضحيته، بل شجرة قبالة العازف، ينظر إليها، يابسة والموت ينثر  روائحه في الحياة.. وامتدت زاحفة فوق ارض نسيانك.
الحياة شعر لدى الدليمي، والناي موت. والشجرة ميتة، وهو جالس قبالتها. وتظل الميتات الاشجار مبعثرة امام وجع وحزن نسيانك. 
وتعبر أصابعك العشر كالسواقب، مغنية الحنين والرنين، والايقاع دوره ريح في امتداد اتخذ لون اللون في السواقي الساكنات وسط عطشها. 
تضاءلت حياة الناي في أزمنة، تداول فيها العازف الحنين للإيقاع. لكن التعطل بقية لوجع واستعادة لمجد كانت فيه متروكات الاله انكي فوق الأرض ووسط السواقي. ولان الاله انكي هو اله «الآبسو» فانه طرفان الماء العذب فوق الاراضي، الراضية برقصها، كتأدية مجد الطقوس لحظة توثرات الحنين بين الناي وايقاعه الازمنة اليومية، لها حقوق، يوزعها الدليمي، من اجل قوى ما يجب عليها ان تقوله، لإيصال رسالة، مكشوفة، او مشفرة يقول الصباح انك صامت منذ فتحت آخر أبواب الناي ولم تدخلها «باب الناي الأخيرة مفتوحة للعازف صباحاً، لكنه ظل أخرس، لانه لم يدخلها والطيور محلقة، اجنحتها راجفة، راعشة ولم تكتفي بالفرجة. لان الخسارات تتمظهر عبر الانتظار والعازف يثقب ما لديه عبر المعمل. لكن «يثقب» استعارياً معطلة لان موت الناي فيه اسف، تخسر الممارسة الفردية كثيراً من خصائصها. لكن الشاعر يقود محكيته الى منطقة اضاءة يقول منها (هنالك أنت تحيطك لوعة القصب/ نايك ظامئ، وأصابعك ماء) ص39.
ابتدأت الحوارية تتحول، لان الشاعر لا يرغب بنسق ينضبط بانتظام، لان الحركة لا بد أن تتخذ ثنائية أزمنة القياس التي تنجح بوجود انسجام زمن الماضي والحاضر، وما كان قابلاً بالتداول والدوران، الحرف متحولاً. فحص المقطع الأخير نتعرف على المغايرة، حيث لوعة القصب والاصابع مائية، انتظار حلم سيتحقق. 
وهو ما ستؤول اليه المحكية عبر ما هو غير متوقع، واعني به اصطفافا تناصيا مرتحلا، لكنه يستفاد من أسطورة كبرى، في نص الدليمي موت ناي حنين للما قبل الميثيولوجي الذي استعاد أغنية ماضٍ وحاضر، وارتضى البطل الأسطوري التحدي الذي وجد تمثيلاً له في قصيدة «موت ناي» قصبة التقطها مغنٍّ أسطوري مختلف عن بطل اسطوري هو «برمثيوس» كل منهما التقط ما أراد وحقق البطل والفرد المحترف للغناء والرقص أوالية البدئية الطقسية، خسر المغني كل ما لديه، لا وجود لديه في الآبسو ولا شجرة يستظل بها، يغني ويعزف ويرتضيها أماً مثلما كانت في الأسطورة العراقية الشجرة هي حلم، وأسطورة، وميتانص (هي شجرة ضالة جاء بها صيف مخبول/ ولكن هناك ايضاً من قال إنك كنت تنتظر) ص39 .
فالشجرة التي اختطفها صيف مجنون هي اسطورة «انانا. جلجامش وشجرة الخالوب» التي انتظرتها الالهة، انانا عشتار وأخرجتها من الفرات وزرعتها في حديقتها/ للاطلاع قراءة: ناجح المعموري/ انانا/ جلجامش شجرة الخالوب».
والصيف المحموم دفنها في أرض لا وجود لفردوس فيها، لكن الشياطين غزتها والتفاصيل كثيرة. لكن لا دراية لأحد بهذا.
وبقيت سرديات الأسطورة ذات محكيات أفضت لمعارك وخسرت الالهة انانا. عشتار حلمها بانبعاث الشجرة لكن الموت مصيرها مثلما حصل للناي. وكان الشاعر يرمم الاسطورة الاغريقية
 والسومرية.
للعظمة الكبرى التي انفرد بها السرد وعقد بين الاسطورتين، لكن الدليمي مجنون تمكن من الصيف الذي مارس محواً لهما، واستعاد خلية الحياة الكبرى وسنراها في قراءة نقدية أخرى.. الاسطورة لا تختفي ولا يتكتم عليها، بل تلتمع فضة استعارها، وتبرق لغتها، الخطاب وتقول كل ما يريده الاخر من فوران ومناجاة حتى استعاد العازف قوته، ولوح بطاقته وهو يلوح بناية ولحظة مسته الانامل الراجعة، ارتفع الايقاع والعزف والغناء، والرقص، ومنذ تلك البدئية كمنت الحياة، وارتضت بالمقاومة حتى تزدهي بما يعرفه الجسد وهو ما يعرفه الشعراء الذين خطفهم الجنون واعطاه اجنحة رفرفرت وحطت وسط الصبايا والعانسات وساح ماء الناي وضجت الحياة بالجنون الذي نجد ضرورة لوجوده حتى ترتعش الحياة بالانبعاث والسعادة.. الحب مطلوب وهو مجنون، والناي لا يفارق نجدده ابداً، هو قادر على كنس صيف حار.