شعريَّة المفارقة في «من يأمن اليابسة»

الخميس 07 تشرين أول 2021 153

شعريَّة المفارقة في «من يأمن اليابسة»
 أ.د.سعد التميمي
 
للخطاب الشعري آلياته وقوانينه التي من شأنها أن تجعله خطابا مغايرا ذا ملامح جمالية خاصة، من شأنها أن تستفز المتلقي وتؤثر فيه، وكلما أحسن الشاعر توظيف هذه الآليات وتفعيل تجربته الشعرية استطاع أن ينتج خطابا شعريا مؤثرا وفعالا، وقبل هذه الآليات يتطلب =ن الشاعر أن يحسن اختيار المعجم الشعري الفاعل ليكون جسرا بينه وبين متلقيه، ولما كان الشاعر يخاطب العاطفة والمشاعر قبل العقل فإن ذلك يتطلب منه شحن لغته بالمشاعر والعواطف الفاعلة، ولما كان الخطاب الشعري الحديث يبحث دوما عن كل ما هو جديد في مجال الصورة التي تقوم إلى حد بعيد على المفارقة والانزياح، فإنّ الشاعر العماني طالب المعمري، يعمد في ديوانه «من يأمن اليابسة» الى توظيف المفارقة بشكل كبير لكسر أفق الانتظار لدى المتلقي من خلال الصور الشعرية التي ذات الدينامية العالية على مستوى الدلالة والعاطفة.                                               
 فالشاعر المعمري استطاع أن ينتج خطابا شعريا حداثويا من خلال محاولاته الجادة في استثمار كل ما يمكن يشحن قصائده بطاقة شعرية عالية، ولعل أهم ما يميز خطابه الشعري الهيمنة الواسعة للمفارقة والتكثيف الواسع للصور الشعرية، وهذا ما نجده في قصيدة «كالذي يصطاد سمك» التي يقول فيها:                                                                                        
الصباح يحشد أنفاسه         
لينتزعني من حلبة الحضور
 وحيداً في مستشفى 
أتلمس المحبة 
 کهاجس أعمى 
يقودني نحو المجهول 
وابتسامة الممرضات
 تتساقط على جسدي 
مثل برقة 
من أسنانهن الفضية 
وحينما ينتابني هاجس الاستذكار 
أقف على أسناني
دليلا على عافيتي المشوشة
فشفافية اللغة في هذه القصيدة لم تمنع الشاعر من استثمار السياق وخلق المفارقات الدلالية لإبعاد الخطاب عن دائرة المباشرة والخطابية والاندفاع به نحو المجاز لتحقيق الوظيفة الشعرية، رغبة في استقطاب المتلقي نحو النص للتعايش معه، وهذا ما يكشفه إسناده الفعل (يحشد) إلى الصباح وأعماله في الأنفاس، بعد أن أضافها إلى الضمير العائد على الصباح، ويتكرر هذا الإسناد المجازي الذي يخلق صورة استعارية قائمة على المفارقة عندما يسند الفعل (ينتزع) إلى الصباح أيضاً، ویزاوج المعمري بين الاستعارة والتشبيه ليصور حاله إذ تتحقق الاستعارة في إعمال الفعل (أتلمس) في المحبة لينقل المحبة من دلالتها الذهنية إلى الدلالة الحسية بفعل الاسناد، ويأتي التشبيه في قوله (کاجس أعمى) الذي يتضمن الاستعارة أيضا ليصور حالة الوحدة والقلق من خلال وصف الهاجس بالأعمى، ثم يسند الفعل (يقود) الى (الهاجس الأعمى) الذي يعزز حضور المفارقة المستمر، التي تعكسها الاستعارات المعبرة والمؤثرة التي تعكس قدرة الشاعر في التعامل مع المفردات والتراكيب ونجاحه في تفجير طاقاتها الكامنة، ولعل ما يميز الخطاب الشعري في هذا الديوان أن القارئ لأول وهلة يجده يتسم بالبساطة والوضوح، وأن المعجم الشعري فيه قريب من المتلقين، لكن عند التأمل في القصائد والغوص إلى أعماقها والكشف عن ايحاءاتها يتبين أن الخطاب الشعري في هذا الديوان يعكس قدرات عالية في تشكيل المعنى بطريقة متميزة، كما في قصيدة “كل خطوة مداها القلب” التي يقول فيها:                                                                         
 القمر مطل بمنجله 
 ليلتقط الأحلام 
التي جمعناها 
من شباك الحياة 
خطواته انعكاس 
لرسمه الباهت 
على صفحات المدن 
وحيدا في سماء حدودها الظلمة 
حجارة الغيم السوداوية
 شعلة البداية 
كل خطوة مداها القلب
 وأشرعة الدروب 
التي خططنا معالمها
توزعت في زوايا الأمكنة 
فالقمر الذي ظل الشعراء يتطلعون إليه بمشاعر الحب والأمل يتحول عند الشاعر في هذه القصيدة إلى منجل يحصد الأحلام التي يتفيأ في ظلالها الشاعر بين الحين والآخر، ويمضي الشاعر في تصوير مصادرة القمر للحياة ليغدو ضوؤه ظلمة حالكة يتخبط فيها باحثا عن خلاصه، كما في قوله “لرسمه الباهت” فجاءت كلمة (باهت) في السياق المناسب لتصوير التحول في دلالة القمر وضوئه، وهذا التحول يصرح به الشاعر بعد حين في قوله “وحيداً في سماء حدودها الظلمة” وقد جاءت الألفاظ والتراكيب والصور في هذه القصيدة معبرة عن حالة الضجر التي يعيشها الشاعر في ظل واقع يحمل تناقضات ومعاناة، طالما لاحقته من مكان إلى آخر، وهذا ما تعكسه حضور المكان وتنوعه في القصائد، فالشاعر دائم البحث عن مكان يحس فيه بالراحة والأمان، وهذا مالم يحصل عليه فهو لا يأمن اليابسة وهذا ما عبر عنه في القصيدة التي اختارها عنوانا لديوانه «من يأمنِ اليابسة...» التي يقول في جانب منها:                                                        
هكذا إذن       
 بداية اليوم ونهايته
 سنة تطوي مثيلاتها 
كأنما نطوي
 خرقة الحياة 
دون اكتراث 
رغم توسلات 
الاذاعة والتلفاز المبكر 
بزخرفة اليوم
 وتأثيثه 
يسيل بحر يومي
 بين أصابع الرمل
كعقارب
لأيامنا اليابسة. 
فالإحساس بالضياع واليأس والخوف من المستقبل حاضر بقوة في هذه القصيدة والقصائد الأخرى في الديوان، وهذا ما عبرت عنه الصور الشعرية في قوله “خرقة الحياة” وقوله “بحر يومي” وأيضا الصورة التشبيهية التي عكست رغبته في الابتعاد عن الواقع لما يحمله له من انكسارات وخيبات في كثير من جوانب الحياة، إذ يشبه نفسه بالقارب الذي يبتعد عن اليابسة لأنها لا توفر له الأمن والراحة وهي أشبه بالسجن الذي يحاصره، وهذه الصورة التي يتداخل فيها التشبيه مع الاستعارة عبرت بصدق عن معاناة الشاعر مما دفعه لاختيار عنوان هذه القصيدة عنوانا للديوان، وتقوم جملة العنوان على الحذف الذي تشير النقاط التي الحقها الشاعر بالجملة، لعبر عن حصار اليابسة والبحث عن الخلاص في أفق
البحر.