أنطولوجيا الشعر الأفغاني الحديث

السبت 09 تشرين أول 2021 418

أنطولوجيا الشعر الأفغاني الحديث
 موج يوسف
التسميّة وحدها تأخذنا إلى تخيّل طبيعة هذا الشّعر الذي قد يكون ممتلئاً بلغةِ الحروب والموت والدماء، والحكم الأولي ربما فيه بعض الصحة بحكم المكان والمجتمع الذي انطلق منه هذا الشعر
ولأنَّ الأدب الإبداعي يكون الإنزياح أحد أركانه الأساسية فجاء الشعر الأفغاني وكسر أفق التوقع، وما لفت نظري بديوان (أنطولوجيا الشعر الأفغاني الحديث) الصادر عن دار المدى بترجمة: مريم العطار. حضور كبير عند شاعراته بشكل أعمق وأكثر تمرداً (نتحدث عنه لاحقاً). الديوان يضم خمسة وثلاثين شاعراً وشاعرة محدثين، وهؤلاء يطلق عليهم تسمية (بساطالباني) أي ما بعد طالبان، وبحسب المترجمة إنهم مقسمون على قسمين الأول (مجموعة وجدوا قبل هذا العقد -قبل طالبان- وهم شعراء مشهورون كبرتو نادري والشاعرة خالدة فروغ)، والقسم الثاني (الشعراء الحداثيون الذين وجدوا مكانتهم في وقت قصير مثل محمود جعفري وضياء قاسمي ومحبوبة إبراهيمي والياس علوي) وغيرهم من الشعراء الذين يفصح
الديوان عنهم. 
ونلحظ شعر الشاعرات الأفغانيات وحضور لغة الجسد المتمردة على اللغة الشعرية ذاتها وعلى المجتمع الذي عرف بتغييبه للمرأة، ويبقى السؤال كيف لهذه المرأة أن تؤنث اللغة؟، وهل اقتصر التأنيث على لغة الجسد؟، وهل هذه اللغة انطلقت من اللاوعي أو سبب الحرمان؟، أم محاولة للثورة على التابو وإعلان الذات الأنثوية بهويّة مستقلة؟، قصيدة الشاعرة محبوبة إبراهمي بعنوان الزناد تفصل الجسد عن الروح، وتخطاب الآخر الذي يظهر حبيباً وتتصالح معه بعد أن تؤكد مركزية الذات فتقول: (دعني آتي إليكَ/ أنا متعبةُ من كلّ هذا الموت/ النساء بأجسادهن رجعن إلى التربة/ قبّلني بدلاً عنهن/ هن اللواتي لا يعرفن السبيلَ/ للوصول إلى أحضانك).
تظهر مفارقة في النصّ فالشاعرة على قيد الحياة لكنّ روحها الميتة، فالموت الذي أتعب الروح المعذبة بداخلها، بالمقابل تؤكد على حضور النساء الأُخريات بقولها (النساء بأجسادهن رجعن إلى التربة) وهذا يكشف عن نسق يؤكد هوية الأنثى وذاتها، فهي أنثت اللغة عبر مزاوجة الجسد الأنثوي مع التربة، فهذه الأخيرة هي منتجة للحياة فتنبت فيها البذور وتسقى وتثمر، فتشترك مع المرأة بالولادة والانتاج، ومسؤولة عن عودة كلّ الكائنات إليها برحلة الحياة الثانية هي الموت والدفن فيها. فحضور التأنيث ثقافياً واجتماعياً، فالأول عبر اللغة الألفاظ الأنثوية وضمير المتكلم في (قبّلني) الذي كشف عن اقتحامها للإمبراطورية الذكورية، والثاني بطلبها العلني من ممارسة فعل التقبّيل نفسه. الثقافة والمجتمع تفرض سياق التذكير فنرى الشاعرة والمغنية (باران سجادي) تنطلق منها بقولها: (عندما تكون شاعراً/ كم ربّاً يكبر فيك/ عندما تكون شاعراً لا تكون مُلكك/ لا تكون ملك البحار ملك الشعب).
الشاعرة استعملت ضمير المخاطب أنت على لسان المذكر، لكنّها تمردت عليه بدءاً من هدم مركزيته الأوحدية التي شظتها إلى متعدد (كم ربّاً)، فالربُّ عندما ادخلت كم العددية ضاعت السلطة المركزية منه وهذا الربّ قد لا يكون الإله الأوحد، بل كلّ ممثل عن سلطة موحدة لا تتقبل الآخر، وحتى تكون أنا الشاعرة مستقلة عنه قالت:
أحياناً يكون شاعراً مؤجلاً
المسافة بيني وبين ثديّي تصل الربّ
حضور ضمير المتكلم الياء مع حضور العضو الأنثوي الأكثر إثارة، وتوظيفه بالنصّ خارج عن الإثارة والشهوانية لأنّه ارتبط بالربّ أي بالمركز المهمين أو البطريك وفيه سّر الحرية، النصُّ تجسيدٌ للوحة العالمية بعنوان (الخير الروماني) التي رسمها العديد من فناني العالم أمثال ماكس سوكو وجون بابتيست وهي مستمدة من قصة رومانية لامرأة كانت تُرضع والدها سراً بعد أن حُكمَ عليه بالإعدام جوعاً؛ ولما كشفوا السّرَ أطلقوا سراحَ أبيها وتمّتْ مكافأتها على الشجاعة والذكاء. فالمسافة بين الثدي والربّ هي الحرية.
ويظهر الربّ بشكل آخر عند الشاعرة (مارال طاهري) فتقول: (كلّ شيء أصبح عادياً يا حبيبي/ إلى الآن وأنا جالسةٌ خلفي الربّ الملوث بالدم/ بعيون ثملة وحمالة
صدر رمادية).
نلحظ أن النص يقوم على فكرة تأنيث الربّ، لكنّ قبل ذلك قامت بإعلان استقلال الذات الأنثوية (وأنا جلسة خلفي الربّ) فالموقع المكاني هنا لم يأتِ عبثياً (خلفي) الذي يشير إلى تحررها وتوكيد هويتها عبر النصر بعد معركةٍ بدلالةِ وجود لفظة الدم وهذه طبيعة الثورات والحريات لا تنال الا بعد تضحيات كبيرة. وتتصدر الذات الشاعرة لتكون متناً والربّ هامشاً فألبسته حمالة الصدر بلونها الرمادي وهذا اللون يدل على توسطه بين الأبيض والأسود فتحلينا هذه الرمزية إلى الحالة الوسطية فالرب مذكر لكنها أنثته بحمالة الصدر، فهنا حلّ المركز بمكانة وسطية التي تدل على الحيادية المطلوبة بالحياة وعدم تهميش الآخر. وتظهر صورة أخرى للرب بانزياح آخر عند الشاعرة صدا سلطاني فتقول: (في ليل ما كان الربّ يغني/ كان القمر يعزف الموسيقى/ كان الصوتُ مسموعاً من وراء أبواب الجنة/ وكأنني قطفتُ من أغصان الليل نجوماً لمجيئك).
الربّ يغني؟ المرويات الدينية عند جميع الديانات أظهرت الرب الجبار والرحيم، لكن الشاعرة أرادت تعزيز مفهوم الحبّ والحياة فصورت الربّ بهذه الصورة وهي محاولة تمرد على السلطة العليا التي تمارس التهديد والوعيد وتعشق لغة العنف، في حين صاغت لغة الحياة من غناء الرب وعزف القمر. 
ممّا تقدم يمكن القول إن الشاعرات قد صُغْنَ لغتهن الأنثوية وبأفكارهن التأملية بالوجود والوعي بالحرية فحتى الجسد خدم اللغة. 
والديوان احتفى بالقيم الإنسانية وولادة الحياة من الحروب، والأمل من بعد تراكم سحب اليأس، وظهرت تأملات وجودية عند أغلب الشعراء والشاعرات وهم أكثرهم يعيشون ببلاد أوروبية فارتقى شعرهم بسلم الشعر العالمي.