مبدعون يطالبون بإصلاحات معرفيَّة هل ستصنع النخبة السياسية واقعاً ثقافياً جديدا؟

الاثنين 11 تشرين أول 2021 181

مبدعون يطالبون بإصلاحات معرفيَّة هل ستصنع النخبة السياسية واقعاً ثقافياً جديدا؟
 استطلاع: صلاح حسن السيلاوي 
حاجات كثيرة بقيت مؤجلة لأسباب متعددة، ظل المشتغلون في المشهد الإبداعي يطالبون بتحقيقها، ففي كل مرحلة انتخابية جديدة يطل المثقفون في البلاد من شرفات أحلامهم وآمالهم وهم يلوحون بآرائهم ومشاريعهم المعرفية لأصحاب القرار، مشاريع يرون أن من شأنها أن تدفع بالمجتمع نحو آفاق مهمة وتضع بينه وبين ظلمات العنف والتردي حواجز كبيرة. 
 
يجد المبدعون في البلاد أن المشهد الثقافي بما فيه من شعر وسرد ومسرح ودراما، فضلا عن صناعة الكتاب وتنشيط النافع من تراثنا وتاريخنا وآثارنا أمر مهم جدا. أمر يسهم في صناعة النور بين شرائح المجتمع، لهذا تساءلنا في حضرة نخبة متميزة من مثقفينا عن الجوانب الثقافية التي يرون أن على الدولة الانتباه لها بعد مرحلة الانتخابات المقبلة؟ ما البنى التحتية للثقافة التي يحتاجها المجتمع؟ ماذا عن دور النشر الجديدة والسعي لإيجاد الكتاب المترجم، وإقامة مسابقات مهمة وفعاليات متعددة ؟ أليس على الفائزين الجدد في الانتخابات أن يقفوا إلى جانب الدراما والمسرح والسينما والأغنية بوصفها مؤثرا فنيا ومغيرا بالتوجهات الاجتماعية؟ هل من مقترح لرجال الدولة القادمين بشأن تطوير مشهدنا الإبداعي؟ 
 
 
البنى التحتيَّة للثقافة
القاص علي حسين عبيد يرى أن المجتمع يحتاج إلى اهتمام كبير بالثقافة، تبدأ بتطوير البنى التحتية المتهالكة، ولا تنتهي بدور الدولة في توفير الجانب المعنوي، مشيرا إلى حاجة المجتمع للثقافة في كل الأحوال والنتائج، كونها عصب التطوير والتغيير، لافتا إلى ضرورة الاهتمام بالفنون وتوفير المسارح ودور السينما وإنشاء مراكز ثقافية فاعلة، يكون لها قصب السبق في النهوض بالوعي الجماهيري، وليست كمالية أو تجميلية كما ينظر لها كثير من المسؤولين الطارئين على الثقافة.
وأضاف عبيد قائلا: أما بخصوص دور النشر فأظن أن نهوض القطاع الخاص بهذه المهمة أفضل من الدولة أو القطاع العام، ولكن مع وضع ضوابط للطبع تحد من الكتب الرديئة والهابطة في مستوياتها الإبداعية، ليس بمعنى الرقابة واستخدام (المقص)، بل من باب التقييم الفني والموضوعي الذي لا يترك باب الطبع مفتوحا لكل من هبّ ودب...
وقال أيضا: الفائزون الجدد ربما لا يختلفون كثيرا عمّن سبقهم إلى المجلس التشريعي، فقد مرت سنوات طويلة ولم نحظَ بتشريع جيد يدعم الثقافة والمثقف والفنان والدراما، النسبة الغالبة كانت تبحث عن منافع شخصية أو فئوية أو حزبية، ولا يعنيهم الفن أو الثقافة التي ينظرون لها على أنها شيء كمالي ولا دور لها في تطوير العقول، هذه النظرة لا يجب أن تتكرر مع الوجوه التشريعية التي نأمل أن تكون جديدة ومتمرسة وذات عقلية ورؤية فنية ثقافية متميزة.
ما يمكن أن نقترحه على المشرعين القادمين في الدورة الجديدة، يعتمد على درجة وعيهم وثقافتهم وإيمانهم بأن الإبداع المتنوّع هو الذي ينهض بالعراق، فإذا توافر مثل هذا الوعي، نأمل الاهتمام بالمسرح والسينما والفنون التشكيلية وكل الفنون الأخرى، وإبداء الاهتمام المادي والمعنوي معا من خلال تشريعات ملزمة التطبيق، كذلك يستحسن إلزام المؤسسات الثقافية الرسمية والأهلية بإقامة مسابقات ثقافية أدبية عالية القيمة ماديا ومعنويا، فمثلا في السودان الدولة الفقيرة ألزمت الحكومات المتعاقبة شركة (زين) للاتصالات بتوفير الدعم المالي اللازم لمسابقة الطيب صالح العالمية منذ أكثر من عشر سنوات وحتى الآن، لماذا لا يتم التنسيق مع شركات الاتصال بالعراق لدعم مسابقات إبداعية من هذا النوع؟ 
 
قانون حماية الذوق العام
الناقد الدكتور عمار الياسري أشار إلى الثقافة بوصفها الطريقة المثلى لصناعة الوعي الإنساني وترصين الذوق الجمعي فقال: حسب "ياكوبسن" لا بد للرسالة الهادفة من وسيلة ناجعة تحملها حيث الآخر الذي يجب أن يتحلى بالمثالية حتى في أكثر المواقف البريجماتية، والوسيلة التي تحقق مآلات المثقف تتحقق بوساطة البنى التحتية التي تتعاضد مع جودة الرسالة، ولو تابعنا المشهد الثقافي نلحظ النكوص الكبير مبنى ومعنى، لذا نتوسم بالشخصيات الثقافية القابلة في الجانبين التشريعي والتنفيذي الانتباه لهذه الضرورة عن طريق الإسراع في سن قانون حماية الذوق العام أو السعي لنصرة الأعمال الهادفة، ولا أعني بقانون حماية الذوق العام وضع القيود على الذائقة، بل العمل على الرقي بها، وهذا لن يتحقق إلا عن طرق عديدة، فالكتاب المترجم بطريقة احترافية بشتى الآداب والعلوم والفنون من الطرق الرصينة للمثاقفة معرفة الآخر؛ لكن الأمر يتطلب الاختيار الصحيح للكتاب والأسعار المدعومة من الدولة، فالكتاب المترجم الحالي قليل العدد من جهة وبسعر عال من جهة أخرى.
واضاف الياسري بقوله: لذا لا بد من إنشاء مشروع قومي للترجمة على غرار الدول المجاورة، ليس هذا فحسب؛ بل السعي لإقامة مسابقات بجوائز مغرية للترجمة شريطة النوع والكفاءة، ومما لابد ذكره الاهتمام بالمثقف والسعي إلى الإفادة منه مفاصل الحياة المختلفة، فالشواهد والنصب من دون مثقف واع ومتخصص تعد ضوضاء بصرية، والدراما التلفزيونية من دون القصة والرواية أغلبها بذاءة صوتية وحركات ماجنة، وهذا يقودني للحديث عن دور المؤسسة الحكومية في الدعم الفني سواء المباشر أم عن طريق مساندة القطاع الخاص وإيجاد الأرضية الخصبة لعمله، فالسينما في العراق لم تحقق فلسفتها العالمية، فبالرغم من كونها وسيلة تربوية تعد من الروافد الاقتصادية والمنابر الإعلامية، فمتى ما استطعنا تقديم سينما حقيقية تلامس موروثنا وخصوصيتنا، من الممكن أن نعيد الحياة للصالات السينمائية التي ستجد المتلقي الحاضر مما يحقق لنا الرقي بالوعي الاجتماعي من جهة والمورد الاقتصادي الذي يسند إنتاجها من جهة أخرى، والأمر ذاته ينطبق على إنتاج الدراما التلفزيونية والمسرح والأغنية، لذا لا بد على الفائزين بالانتخابات سواء كانوا في اللجنة البرلمانية الثقافية والتنفيذية وضع خطة عمل لتحقيقها، وما هي إلا سنوات وسنجد التغيرات التي يطمح لها الجميع. 
 
مدينة إعلامية وسينمائيَّة
الدكتور جواد الزيدي تحدث عن الجانب الثقافي المهمل من قبل الأنظمة المتعاقبة، لافتا إلى أهمية الانتباه الى إقامة مدينة إعلامية تخص الانتاج السينمائي والتلفزيوني وصناعة البرامج الاعلامية وتشييد قاعات للفنون التشكيلية، فيها المواصفات العليا لمثل هذه المنشآت، فضلا عن اكمال مشروع مبنى الأوبرا الذي اقترح انشاؤه في بغداد قبل سنوات واعادة اعمار المنشآت الثقافية المخربة وتشغيل برامجها مجددا، إضافة إلى إيجاد تخصيصات لدعم منظمات المجتمع المدني الثقافية بوصفها رافدا مهما للثقافة العراقية . 
وقال الزيدي موضحا: اما عن البنى التحتية فيقع في مقدمة المطالب تأهيل المثقف العراقي اقتصاديا وتمكينه من اجل صناعة هوية ثقافية عراقية ترفد المعطى الثقافي الانساني، وهذا يتم من خلال ايلاء اهمية للثقافة بوصفها معنى جوهريا للوجود العراقي وتجنيب المثقف باشتغالاته المختلفة التكسب المذل من قبل رجل السلطة، ليتحول البعض من طبقة نفعية (البرغماتية) الى طبقة فاعلة ومنتجة من خلال تفعيل فكرة المجلس الأعلى للثقافة بوصفه هيئة ثقافية تدير عمل الثقافة يتم من خلالها تشغيل المثقف ورعايته اقتصاديا، في ضوء تقييم منجزه الابداعي وابتعاده عن مؤسسات الأحزاب وهبات الأفراد. وبهذا سيكون هناك معادل موضوعي يكمن في حركة النشر والتسويق التي تأتي بشكل طبيعي وانسيابي حين يتم تفعيل شركة تسويق الكتاب ونشره، واقامة منافسة لدور النشر حكومية واهلية ورعايتها، فضلا عن وضع خطة لحركة الترجمة تبدأ بترجمة أهم ألف كتاب ادبي وفني خلال كل سنة الى العربية وبالعكس ايضا، وهذا الفعل سيعزز فكرة الحوار الحضاري ومعرفة التوصلات الابداعية للآخر والتعريف بالمنجز العراقي. وضمن هذا السياق ستصبح لدينا تراكمات انتاجية ومؤسسات تعيد انتاج خطوات نجاحها بفعل هذه التراكمية النوعية. وازاء هذا المعطى سيكون لزاما على المؤسسة الثقافية الالتفات الى عناوين أخرى في الفضاء الثقافي، منها النتاج الدرامي والمسرحي والسينمائي والموسيقي، اذا ما توفرت النوايا الحسنة لرجل الدولة وتوفر المناخ الايجابي الذي نأمله. ونقترح الأخذ بهذه المقترحات الذي تضمنها الراي اعلاه بوصف الثقافة المشهد الذي يخلد حياة الفرد والمجتمع وتتغنى به الأجيال والشعوب قرونا طويلة.
 
مقرات اتحادات أدباء المحافظات
وأوضح الشاعر عبد الامير خليل مراد ان الثقافة في العراق بحاجة إلى مراجعة حقيقية وفاعلة من الحكومة المقبلة، حيث دأبت الحكومات السابقة على تهميش الثقافة وارتهان دورها إلى المناسبات العابرة، مشيرا إلى أن الثقافة ومشاريعها من الموضوعات الموضوعة على التل، لافتا إلى ضرورة أن تضع الدولة الثقافة والمثقفين ضمن اولوياتها من النواحي كافة.
واضاف مراد قائلا: ما زالت المحافظات تفتقر إلى ابنية لاتحادات الادباء فيها، حيث تقوم بعضها بأداء فعالياتها في المكتبات او المقاهي، اضافة الى فقر المؤسسة الثقافية من ناحية إصدار الكتاب الثقافي وترويجه ليس في العراق فقط بل بتصديره إلى الخارج أيضا. 
وقال كذلك: كما نرى تراجع مطبوعات الوزارة التى كانت تصدر دورياتها الاقلام والطليعة الأدبية والمورد و آفاق عربية بصورة شهرية بينما أصبحت اليوم دوريات فصلية.
وكنا تأمل أن تبادر الدولة إلى دعم المؤلف وزيادة اصدارات وزارة الثقافة في جميع المجالات كالشعر والنقد والاجتماع والرواية والترجمة وغيرها من أبواب الثقافة.بالاضافة الى إقامة المهرجانات الثقافية وترصين الابداع من خلال مختلف الفعاليات والممارسات الثقافية. 
وكم رأينا غياب المسابقات الثقافية في مختلف فنون الابداع، وان حصلت مثل هذه المسابقات فهى فقيرة وتفتقر إلى الدعم المادي المطلوب. 
اننا نطالب الحكومة المقبلة باعادة النظر في واجبات المؤسسة الثقافية، وجعل وزارة الثقافة من الوزارات السيادية لأهميتها في صناعة الإنسان وايجاد قوانين جديدة لدعم الثقافة والمثقفين والأدباء، لأنهم ضمير كل مجتمع فبدون الثقافة يتراجع المشهد الثقافي والسياسي على حد سواء، ذلك أن الثقافة ذات مردود غير منظور فهي على الدوام على تماس مع الناس وهمومهم اليومية.
 
تعاون الوزارات ثقافياً
الروائي حسن البحار قال: لا تقدم في الحياة إلّا في ترسيخ الثقافة بين المجتمع، إذ لا يمكن للمجتمعات المتحضرة ان تستمر بمعزل عن الثقافة، هي رؤية نثق بها وندرك تمامًا أن رفد الساحة الثقافية العراقية بالموارد الفكرية والمالية والمكانية يعزز من تطوير التعايش الإنساني بين الافراد.
 نحن نؤمن أن النص الإبداعي بكل أنواعه له القدرة على إصلاح الذات بما تمنحه القراءة من ثقة بالنفس وثبيت روح الانتماء إلى الوطن.
من هذا نتمنى على الحكومة المقبلة بجميع مؤسساتها الانتباه إلى مجالات تطور المناهل الثقافية وتسهيل بعض الصعوبات التي يعاني منها الأديب والفنان والكاتب، منها تعاون الوزارات الحكومية الثقافية والتعليمية والصحية والأمنية والخدمية معهم، وفتح منافذ التصدير والاستيراد للكتب الإبداعية والنشاطات الثقافية وتنشيط التوأمة مع ادباء وكتّاب والفنانين العرب وغيرهم، ولا ننسى أهمية الترجمة للكتب الإبداعية من العربية إلى اللغات الأجنبية وإيصالها، ذلك من شأنه رفع أفق الكتاب العراقي في مكتبات ونشاطات الثقافات الأخرى، وتجديد العمل الجاد على المسابقات والفعاليات التي تهتم بالشباب والمرأة والطفل فكريا، وتنشيط المسارح ودور السينما والاغنية الهادفة والتشكيل وباقي الفنون والمجالات الإبداعية وهي كثيرة في بلد حاضره يقبض على ماضيه النير المملوء بالثقافات والابداعات، ومن أجل تطوير الذائقة القرائية على الحكومة أن تعمل جديًا في مشروع يهتم بالبحث عن الأفضل إبداعيا بطريقة مدروسة.