«يوميات الشيطان» للروسي ليونيد أندرييف حين تكشف الحكاية عن زيف البشر

الثلاثاء 12 تشرين أول 2021 1208

«يوميات الشيطان» للروسي ليونيد أندرييف  حين تكشف الحكاية عن زيف البشر
  ميادة سفر
أيعقل أنْ يصاب الشيطان بخيبة أمل بعد تجربة العيش على الأرض بين البشر؟ أليس في هذا مبالغة أم أنّ ما نعيشه وعاشه أسلافنا أشد قتامة مما يعرضه ليونيد أندرييف في روايته «يوميات الشيطان» الصادرة عن الدار الليبراليَّة بترجمة إبراهيم جركس، عن العلاقات بين البشر وعن المال وسطوته، عن رجال الدين بوجوه متعددة وذلك الإنسان الذي يحلم بتصنيع قنبلة تقضي على ملايين البشر، كل هذا وتفاصيل أخرى يحكيها الكاتب الروسي في آخر أعماله على لسان الشيطان.
 
تبدأ اليوميات بتاريخ 18 كانون الأول/ يناير في مدينة روما حيث يتنكر الشيطان بهيئة ملياردير أميركي يدعى هنري وندرغود بقصد اللعب والتسلية «أتيت إلى هذه الأرض، كي أكذب وألعب» ، لتنتهي قصته في 27 أيار/ مايو من العام 1914 أي أنّ أحداث الرواية تدور عشية الحرب العالمية الأولى، وكأنها استقراء أو تلميح لما حدث أو سيحدث في أوروبا في تلك الحقبة، الملياردير الأميركي الذي قدم إلى روما تلك «المدينة الأزلية» كما يقول الشيطان ويبدأ بعرض خدماته ويعلن حبه للبشر ورغبته في تقديم المساعدة لهم.
ليظهر في ما بعد الكاردينال إكس ذلك الـ «قرد حليق عجوز» يحاول إقناع وندرغود بإعطائه المال، ليكتشف الشيطان المتقمص شخصية الملياردير مدى رياء وكذب رجال الدين، وكيف أنهم يطلبون من رعيتهم أشياءً وهم أبعد ما يكونون عنها، يرددون أن «أحب جارك» هكذا يرد الشيطان على الكاردينال حين يقول له: «لعنتك أنك تحب إخوانك من البشر كثيراً»، مضيفاً: «دع عنك الحب للطبقات الدنيا، دعهم يحبون بعضهم البعض، طالبهم به، لكنك أنت، أنت رفعت إلى أعالي القمم، موهوب بهذه القوة»، ذلك الواقع الذي سيكتشفه الشيطان ويصدم به، فالعالم «يريد أن يُخدع» كهذا قال الكاردينال، وكأنَّ الحياة على الأرض قائمة على الخداع والكذب من قبل رجال يلبسون لبوس الوقار والرفعة.
توماس ماغنوس الشخصية الأخرى وربما المحورية بعد الشيطان في يومياته التي يحدثنا عن تفاصيلها «أندرييف» يتعرف عليه وندرغود في ليلة عاصفة حين كان برفقة مساعده الشيطان الآخر «توبي» محاولين إيجاد مكان يلجؤون إليه، في بيت ماغنوس سيتعرف على ماريا التي يرى في وجهها صورة روحانية تجذبه حتى لم يعد قادراً على التخلص منها إلا حين يكتشف كذبهما عليه في نهاية الحكاية.
يبدأ ماغنوس بالتهكم على وندرغود بسبب إنسانيته المفرطة ورغبته بتقديم بلايينه للناس تتنعم بها، وهو الذي يرى أنَّ الإنسان «يحتاج إلى السجون والمشانق» يحدثه عن الشر الذي فعله الإنسان والدمار الذي سببه والدماء التي أراقها، يقول ماغنوس في حوار مع وندرغود: «من الذي سفك كل هذه الدماء؟ أهو الشيطان؟»، «كلا يا سيدي: إنه الإنسان، الإنسان هو الذي سفك كل هذه الدماء».
في هذه اليوميات يغوص الكاتب الروسي أندرييف في أعماق الحياة البشريَّة ويلجُ أعماق النفس الإنسانيَّة، ليخرج منها كل ما فيها من رياء وكذب ونفاق، كل ما فيها من ظلم ووحشية ورغبة في تدمير الآخر والاستيلاء على أرضه وماله وأملاكه، في محاولة لتصوير واقعنا البشري الشيطاني البعيد عن الإنسانية.
في يوميات الشيطان يعرض أندرييف خيبة أمله بالإنسان وحياته وتلك القيم المزيفة التي يتغنى بها، بالطقوس التي يمارسها، لدرجة أنَّ الشيطان الذي ننعته بأقذع الألفاظ ونحمله كل الشرور صدم من واقع الحال على هذه الأرض التي نزل إليها ليلعب ويتسلى، لكنه في النهاية يتغير، حيث تجعله الصبغة الإنسانية لدى وندرغود يخدم الخير والحب والإنسانية، بينما تظهر الوظائف الشيطانية لدى ماغنوس الذي يحلم بتدمير ملايين البشر من خلال صنع متفجرات «وكأنه تنبأ باختراع القنبلة الذرية التي ستحسم الحرب العالمية الثانية» ويحلم ببناء مزيد من السجون وإشعال حروب أكثر بين البشر.
رواية ممتعة القراءة، تضعك أمام نفسك والإنسانية جمعاء لتعيد التفكير ربما بما حولك وبمن حولك، بذلك الإنسان الذي استخدم المال لتدمير الأرض وقتل البشر، بدل استخدامه للإعمار وتحقيق الرفاهية والسلام للعالم أجمع.