من دون مكياج

الثلاثاء 12 تشرين أول 2021 204

من دون مكياج
ابتهال بليبل 
توافقَ المجتمعُ منذ أزمنة بعيدة على أن فكرة استعمال المكياج أو مستحضرات التجميل نشاط تقوم به النساء من منطلق أنه فعل خاص ومحدد وغريزي عند للأنثى على الرغم من أنها لم تولد وهي تضع على بشرتها هذه المساحيق.. ولكن هذا المجتمع عمد إلى تعريف الأنثى من جديد بعد تحسين الشركات المنتجة للمكياج وتطوّر أفكارها عنه واتساع نشاطها وتغلغله في مجالات عديدة.
فكل يوم نشاهد النساء وهنّ يخرجن من منازلهنّ سواء للعمل أو للتسوق أو ربما لحضور حفل أو مناسبة أو حتى لتأدية زيارة ما ووجوههنّ ملونة بالمكياج- وأنا واحدة منهن- لأنه ظاهرة طبيعية وجزء من روتين حياتنا اليومية.
ولكن ما لفت انتباهي مؤخراً أن بعض الرجال وبعض النساء يرتعد متفاجئا إذا لمح امرأة -اعتادت على استعمال الماكياج-  بلا مكياج!!، وهذه المفاجأة تعيدني إلى تأمل جزئية ترتبط بهذا الأمر، جزئية لها علاقة بتعريف الأنثى الذي صاغه المجتمع.
 فالمكياج عمل تعبيري ذاتي، إذ طبقاً للتقاليد الفنية هو شكل من أشكال التعبير عن الذات، كما أنه يساعد على ترسيخ الثقة بالنفس إذ يدخل ضمن عوامل تمكين المرأة كأنه يلهمها ويبعث القوة في شخصيتها ومما سبق نستنجُ أننا هنا نتعامل مع المكياج كخيار نسوي خالص، ولكن الأمر يختلف عندما يتمّ انتقاد النساء اللواتي يقررن فجأة عدم استعمال المكياج في بيئة العمل أو في جميع جوانب الحياة المختلفة. إذ تتعرض النساء اللاتي يخترن ذلك لضغوط تتمثل بنظرات استغراب أو تعجب أو تساؤلات تدفع هذه المرأة للشعور بأنّ كل من رآها لم يكن راضيا عن سلوكها الجديد. وهذا ما أكدته بالفعل دراسة أظهرت أن النساء اللواتي يضعن مستحضرات التجميل يُنظر إليهن على أنهن أكثر كفاءة من النساء اللواتي لا يستعملنّ هذه المستحضرات. 
حقيقة، أجد أن ما تظهره هكذا دراسات يحوّل المكياج الذي من المفترض أنه خيار كمالي إلى ضرورة ملح ة. وبالنسبة لي فإنّ دوره هنا -ومع هذه النظرة-  لا يختلف عن المعايير الأبوية فهو (مكياج أبوي)، إذ تترسّخ النظرة على النساء كأشخاص ليس لديهن قدرات وكفاءات من دون وصاية ذكورية قامعة حتى في هذه الجزئية الدقيقة جدا والحساسة جدا. 
لهذا تشعر كثير من النساء وكأنهن ملزمات بوضع الماكياج نتيجة لهذا الفهم المتناقض للجمال الذي تروج له وسائل الإعلام. وخلال هذا الحيز المتشكك القلق لا تتمكن امرأة اعتادت على وضع الماكياج من الظهور من دونه لأنه قد يظهر عيوب بشرتها أو شكلها، أو يجعلها غير جذابة أو غير مرغوب بها كما تتوقع، أي أن ظهورها على عكس ما اعتاد من حولها على رؤيتها. لأن المجتمع ببساطة يفرض على النساء أن يبدين كما يريد هو وكما اعتاد بعيداً عن الاختيار والرغبة الذاتية النابعة من جوهر المعنى الأنثوي المتفرّد.