رحلة آل سعيد إلى الحج

الأربعاء 13 تشرين أول 2021 370

رحلة آل سعيد إلى الحج
لؤي حمزة عباس
مثلما شكّلت الرحلة موضوعاً أساسياً من مواضيع المعرفة الإنسانية، فإن رحلة الفنان شاكر حسن آل سعيد (1925 ـ 2004) إلى بيت الله الحرام تعدّ أحد عوامل تطور الوعي الصوفي لديه، وسبباً مهماً من أسباب تحول رؤيته الجمالية، فالفنان الذي أنجز التحول الأهم في مسار التشكيل العراقي، وقد أتخذ من الجدران موضوعاً لصوفيته التي وجدت تحققها مع ما حملته هذه الجدران من معانٍ ودلالات بعد انسحاب الانسان من لوحة آل سعيد، ليستحضر الفنان آثار الإنسان وظلاله سمات مؤثرة في بنائية اللوحة، ثم لتكون الدوال في مرحلة أخرى إشارات مفعمة بالفيوضات والمعاني. إن رحلة آل سعيد الصادرة حديثاً عن دار خطوط وظلال في الأردن، تحت عنوان (مذكرات حاج إلى بيت الله الحرام)، تستحضر قوة التأمل وفاعليته في مواجهة قوة (الوجود المنطقي)، ليكون المثول بين يدي الله مقصداً سامياً من مقاصد المُحب، ونقطةً مضيئةً من نقاط بيانه، إن رحلة الفنان خلال إقامته في المملكة العربية السعودية لغرض التدريس، تحكي جانباً من سردية مدينة الرياض، الحاضرة التي يعمل الفنان على إنتاج معرفة بها، وقد «نشأت كما يبدو، لتصبح حاضرة البدوي وهو في صحرائه، وهذا ما يدل عليه اسمها على الأقل، فهو مشتق من الروضة»، فلا يكتفي الفنان بالمشاهدة بل يتقدم باتجاه تفسير المدينة بوصفها ظاهرةً حضريةً وفضاءً للعلامات، ليست الرياض وحدها التي تحضر في رحلة آل سعيد، على ما تمثله من أهمية بوصفها مبتدأً للرحلة، وهي ترفد وعي الفنان وتحفّز نظرته لقراءة السطوح والتوغل في طبقات المكان ودلالاته، «حقاً، لقد سحرتني تلك اللحظات، حتى أني كتبت فيما بعد، أصفها منوهاً بمدخل المصطبات الحجرية لوادٍ يقع ما بعد الرياض، أو أكتاف وادي حنيفة وبكونها منبتاً للضباب»، إن رحلة شاكر حسن آل سعيد إلى الأرض المقدسة لم تنشغل بالغاية والهدف منها فحسب، وهو هدف رفيع وغاية فريدة، بل عملت على بلورة وعي الفنان بالعالم واحتفائه بعناصره وهي تتمرأى على مياهه الداخلية وتؤثر في تحولات فنه، حتى ليتساءل «ترى، ماهو صُلب الجذر التشكيلي لمثل هذه الرؤية الوبرية.. رؤية الإنسان ذرة الرمل، والكثيب الحنائي اللون، وشمعة «فلتر» مضمخة مياه آبار الرياض الحمراء؟».
إن رحلة شاكر حسن آل سعيد إلى الحج تكشف طبيعة الملاحظة لديه، وتضيء جانباً من جوانب معرفته التأملية، وهو يمضي في رؤيته التصوفية بوصفها سيرورة متلازمة تكون فيها الرحلة إلى الحج رحلةً في الذات وكشفاً باطنياً يمتدّ من النقطة التي هي سرُّ الحرف وجوهر الوجود وصولاً إلى فاعلية التعبير التشكيلي عن العالم، إنها المنابع البعيدة التي طالما تحدثت عن الإنسان وتحولاته، لتشير أخيراً إلى فنائه في دوامة واسعة تشبه إلى حدٍ بعيدٍ حركة الهاء الأولية وهي عند آل سعيد محض حركة مولوية، أي كالتي يحاول أن يعيشها الراقص المولوي، إنها تشبه قوس حياة الانسان بوصفها حركة كونية وذات زخم سكوني في الوقت نفسه.