إيقاع الصورة في قصائد مستعملة

الأربعاء 13 تشرين أول 2021 124

إيقاع الصورة في قصائد مستعملة
 أحمد الشطري
 
يشكل الإيقاع رغم هلامية أو (زئبقية) مفهومه أحد أهم الإشكاليات التي واجهت قصيدة النثر، باعتباره الحد الفاصل بين شعريتها ونثريتها، واذا كان أحد أهم تمثلاته في القصائد (الموزونة) هو القالب العروضي أو النسق التفعيلي، فإن تمثلاته في قصيدة النثر لم تجد ما يصح أن نسميه قاعدة يمكن الاستناد إليها في تحديد ماهيته، وقد شبه والت ويتمان «إيقاع النثر بأمواج البحر وسرعتها وانسيابها وإيقاعها المتراكم بحرية أكثر مما في الوزن». ويقول حاتم الصكر تعليقا على ذلك «حين نرقب حركة الموج وهو يتكسر على الرمال، ويعود من جديد، سنجد  تشابهاً أساسياً في حركة كل موجة، ولكن ما من موجتين تتكسران في شكل متناظر تماماً. وهذا في ظني هو الإيقاع المتكون من تخالفات توافقية كما في القصيدة من حيث لغتها وصورها. وهو المبرر الفني للقول بأن قصيدة النثر لا تنحصر في إيقاع محدد، بل هي متعددة الإيقاعات، وأن كاتبها هو من يقرر ذلك أو يقترحه وربما- وهذا أمل ووعد- أن يجترحه..».  
ولعل الصورة الشعرية الإبهارية هي أحد التمثلات الإيقاعية الرئيسة في قصيدة النثر، وهو إيقاع يُستشعر بشكل خفي أكثر مما هو ظاهري، وينساب في نفس القارئ بانسيابية يصعب حصر
 مساربها.
إن كلّ صورة شعرية تمتلك إيقاعها الخاص الذي يملك حرية التشكل والتجلي في دواخل المتلقي، وقد لا يتجسد هذا التجلي الايقاعي في المنفذين السمعي والبصري، بل يتم ذلك عن طريق المنفذ الحسي، ومن هنا فإن أنغامه وضرباته لا تتجسد عن طريق الصوت أو الصورة الظاهرية للشكل، وإنما عن طريق (العصف الذهني). وهو غير خاضع للمحددات التي ذكرها بعض الدارسين في مكونات الإيقاع الداخلي من محسنات بديعية وتكرارات صوتية أو ترتيبية مشهدية وغير ذلك من مكونات، إنّه إيقاع داخلي ولكن من نوع آخر يسمو بذاته عن التمظهر المفضوح، ليتغلغل في العمق، لا ليخمد فيه ولكن ليفجره ويستخلص منه صوتا خلابا عصيا عن المدركات الخارجية. 
ووفقا لما تقدم سنحاول أن نقرأ مجموعة (قصائد مستعملة) للشاعر خالد خشان الصادر عن دار أكتب في القاهرة عام 2009. والتي أجد في الكثير من نصوصها والنصوص الأخرى لخالد صورة مثالية يتجلى فيها إيقاع الصورة الشعرية الذي أشرنا له.
ولعل من بين أهم ميزات قصائد خالد هو انسيابية ألفاظها، وسهولة تراكيبها، وجمالية صورها. ومن بين أهم جمالياتها هو أنها صور بسيطة غير مركبة، تتكشف للقارئ بيسر إلّا أنها ممتلئة بالإدهاش وقوة
الجذب. 
 (هزّي إليك بنياط القلب/ تتساقط أعقاب سجائر/ وقناني خمر فارغة/ وقصائد مستعملة/ وحماقات/ و[قُبلٌ] باهتة/ لامرأة غادرت قبل مجيئك) ص39.
ولعل أحد تجليات إيقاع قصيدة خالد هو في تلك النهايات التي تمتاز بوقعها الذي يشعر القارئ بالامتلاء وبالنهاية الحتمية للقصيدة أو المقطع.
(انكفأت آنيتي/ فاندلقت مهجتي/ وتلطخ قميصي شوقا إليك).ص6
في هذا المقطع نجد أنّ الشاعر استطاع أن يرسم لنا صورة بانورامية وبعملية لغوية مقتصدة، ولكنها محيطة بشكل تام بالمشهد، وتنبئك إن كلَّ كلام بعد هذا هو فائض عن الحاجة، أو فضفضة لا مبرر لها وقد يؤدي إلى تهشيم الصورة وتخريب جماليتها. فالشاعر هنا عرف وبذكاء أين يقف، ومتى تكتمل الصورة، وهذه النسقية والتكثيف والاختزال في رسم المشهد وهذه الضربة المتمثلة بـ (وتلطخ قميصي شوقا إليك) هي تجسيم متقن لبنية إيقاعية مبهرة في النص.
وهذه التقنية التي تكاد أن تكون مطردة في نصوص خالد والمتمثلة في كثافة البناء الدرامي للنص وجمالية النهايات المقفلة، ربما تكون من بين أهم المميزات التي أكسبت نصوصه صفة الشعرية، وهي القادرة على منحها القوة في البقاء والتأثير والتميز.  
 كما نلاحظ في هذه الصورة التي يقول فيها: (عندما كنت تمرين مزهوة بالأنوثة/ سقطت سهواً قطرة من روحك على روحي/ ففاضت روحي بالورد). ص7.
إن تقنية إيقاع الصورة الشعرية لا يتشكل الا بتماميتها، والتي لا بد من أن تمتلك القدرة على تحريك دواخل المتلقي بجمالياتها التي تتحقق من خلال الإبهار سواء بكسر المتوقع أو خلق النشوة. وفي هذه الصورة التي رسمها خالد نجد فيها القدرة على بعث النشوة في داخل المتلقي.
 وقد تتحقق النشوة من خلال التنوع في إيقاع الصورة: (إني أطرق على باب قلبك منذ زمن/ ألم تسمعي روحي وهي تتلو جمالك في صلاتي؟/ .. تعالي خذي غيابك المرّ كلهُ/ وأوصدي خلفه الباب). 
ففي هذا المقطع نجد أن الجمالية تتحقق من المعنى العميق، ومن خلال تضاد مخاتل، وهو ما يتجلى في صورة الطرق على الباب والذي يفضي الى  الرغبة في الدخول، إلا أنه يؤدي هنا الى (خذي غيابك وأوصدي خلفه الباب) وأخذ الغياب سيفضي بالنتيجة العكسية الى اللقاء. إذن هي صورة مخاتلة تفضي الى نتاج مخالف للظاهر، وهي ما أضفت على النص جماليته العالية.   
وفي رثائية لمارغريت حسن مديرة منظمة كير الانسانية التي قتلتها عصابات الدواعش يقول خالد: (عميقا كان جمالك/ ونحن الندم المر/ الذي يسيل من فوق المصطبة/ ويغطي الورق المتساقط من صفصاف غيابك). 
في هذه النص الإنساني نجد هذه الصورة التي يقوم من خلالها بتحويل الندم الى مادة سائلة، وتحويل الغياب إلى شجرة صفصاف، فينقل الحالات الحسية الى حالة مادية؛ لكي يمنح تلك الأشياء الحسية صورة منظورة، تثبّت حضورها في ذهن المتلقي، ومن ثمَّ تعود إلى طبيعتها الحسية في العمق الذهني لتشكل إيقاعها الجمالي الباهر.
وأخيرا أرى أن أشير إلى أن خالد خشان يمتلك شاعرية واضحة يمكن أن تسجل حضورا أكبر مما يعكسه الواقع، وهو جدير بالإضاءة، غير أن تكاسله هو أحد أهم الأسباب التي ما زالت تسهم في إبعاده عن دائرة
 الضوء.