النهج اليوناني القديم للمخاطرة والدروس التي يمكن أنْ يقدمها للعالم الحديث

الأربعاء 13 تشرين أول 2021 406

النهج اليوناني القديم للمخاطرة والدروس التي يمكن أنْ يقدمها للعالم الحديث
 جوشو ب. نوديل
 ترجمة: جمال جمعة
 
أحد أقدم المؤلفات المبكرة المكتوبة باللغة اليونانية هي «الأعمال والأيام»، وهي قصيدة كتبها مزارع يُدعى هسيودوس في القرن الثامن قبل الميلاد، وفيها يخاطب هسيودوس أخاه الكسول برسيس. المقطع الأكثر شهرة في «الأعمال والأيام» يصف دورة الأجيال. 
أولاً، كما يقول هسيودوس، خلق زيوس جيلاً ذهبيًا «عاش مثل الآلهة، وقلوبًا خاليات من الأحزان، وبعيدة عن الشغل والبؤس».
ثم جاء جيل فضّي، متغطرس ومتكبر.
والثالث كان جيلاً برونزيًا، عنيفًا ومدمّرًا لذاته.
الرابع كان عصر الأبطال الذين مضوا إلى قبورهم في طروادة.
وأخيرًا، كما يقول هسيودوس، صنع زيوس جيلاً حديديًا متّسمًا بتوازن الألم والسرور.
وفي حين انَّ الأجيال الأولى عاشت حياتها خالية من القلق، وفقًا لهسيودوس، فإنَّ الحياة في جيل الحديد الحالي تتشكل من خلال المخاطر، مما يؤدي إلى الألم والحزن.
على امتداد القصيدة، يطوّر هسيودوس فكرةً عن المخاطر وإدارتها كانت شائعة في اليونان القديمة: يمكن للناس ويجب عليهم اتخاذ خطوات استعدادًا للمخاطرة، التي لا مناص منها في النهاية.
كما يقول هسيودوس، «الصيف لن يدوم إلى الأبد، شيّدْ مخازن القمح»، ولكن بالنسبة لأناس الجيل الحاضر، «ليس ثمة توقف للكدح والحزن في النهار، ولا للموت في الليل».
أي بعبارة أخرى، أنَّ الناس يواجهون عواقب المخاطر (ومن ضمنها المعاناة) لأنَّ هذه هي إرادة زيوس.
 
الفأل والعِرافة
في حال تحديد حتميَّة الخطر من قبل الآلهة، فإنَّ أحد الجوانب الحاسمة في الاستعداد لمواجهة المجهول هو محاولة اكتشاف مشيئة زيوس، لذلك اعتمد الإغريق على الكهنة والعرّافين.
وفي حين انَّ الأثرياء قد يدفعون نقودًا لتقديم التماس إلى عرّاف أبولو في دلفي، فقد لجأ معظم الناس إلى تقنيات أبسط للحصول على إرشادات من الآلهة، مثل رمي زهر النرد المصنوع من عظام مفاصل الحيوانات.
تضمنت التقنية الثانية نقش سؤال على لوح رصاصي، والذي سيرد عليه الرب بجواب مثل «نعم» أو «لا». تسجل هذه الألواح سلسلة واسعة النطاق من مخاوف اليونانيين العاديين. في إحداها، يسأل رجل يدعى ليسياس الإله عما إذا كان ينبغي أن يستثمر في الملاحة. وفي أخرى، يسأل رجل يدعى إبيليتوس عما إذا كان يجب عليه أن يستمر في مهنته الحالية وفيما إذا يستوجب أن يتزوج المرأة التي تأتي، أم عليه أن ينتظر. لا شيء معروف عن كلا الرجلين سوى أنهما لجآ إلى الآلهة عندما واجها عدم اليقين.
تم استخدام الفأل أيضًا لإبلاغ كل قرار تقريبًا، سواء كان عامًا أم خاصًا. ثمة رجال يُطلق عليهم اسم «كريسمولوغوي»، وهم مَجمَع العرّافين الذين يفسّرون إشارات الآلهة، كان لهم تأثير هائل في أثينا. عندما اجتاح الأسبرطيون عام 431 قبل الميلاد، كما يقول المؤرخ ثوسيديدس، كانوا في كل مكان يتلون الأجوبة التكهنية. وعندما ضرب الطاعون أثينا، لاحظ أن الأثينيين كانوا يستعيدون ذكرى مثل هذه النبوءة.
لعب «الكريسمولوغوي» دورًا كبيرًا في تعزيز إيمان الجمهور لدرجة أن السياسي الأثيني الثري ألكيبيادس تعاقد معهم سرًا كخبراء دعائيين لإقناع الناس بالتغاضي عن مخاطر حملته على صقلية عام 415 قبل الميلاد.
 
تخفيف المخاطر
بالنسبة لليونانيين، فإنَّ وضع الثقة في الآلهة وحدها لم يحمهم من المخاطر تمامًا. وكما أوضح هسيودوس، فإن تخفيف المخاطر يقتضي الاهتمام بأفعال الآلهة والبشر على حد سواء.
الجنرالات، على سبيل المثال، قدموا قرابين للآلهة أمثال أرتميس وآريس قبل المعركة، وكان أفضل القوّاد يعرفون كيف يفسّرون كل نذير على أنه علامة إيجابيَّة. لكن في الوقت نفسه، يهتم الجنرالات أيضًا بالستراتيجية والتكتيكات من أجل منح جيوشهم أفضليَّة تامّة.
كما لم يكن كل فأل يؤخذ بعين الاعتبار. قبل الحملة الأثينيَّة على صقلية عام 415 قبل الميلاد، تم العثور على التماثيل المقدسة لإله السفر هرمس ووجوهها مكشوطة.
أوّل الأثينيون ذلك على أنه نذير شؤم، والذي ربما كان هذا ما قصده الجناة. الحملة أبحرت على أي حال، لكنها انتهت بهزيمة ماحقة. القليل من الأشخاص الذين غادروا عاد إلى أثينا.
لقد كان الدليل واضحًا بالنسبة للأثينيين: تدنيس الأصنام أدى إلى تعريض جميع من في الرحلة إلى الخطر. الحل الوحيد كان هو معاقبة الآثمين. بعد خمسة عشر عامًا، توجّب على الخطيب أندوسيدس أنْ يدافع عن نفسه في المحكمة ضد الاتهامات التي تورط فيها.
يوضح هذا التاريخ أنَّ الأفراد ربما يفلتون من العقاب الإلهي، لكن تجاهل النُّذُر والفشل في اتخاذ الاحتياطات كان في كثير من الأحيان يسبب مشاكل مجتمعية وليست فردية. تمّت تبرئة أندوسيدس، لكن محاكمته أظهرت أنه عندما تُعرِّض أفعالُ شخصٍ ما الجميع إلى الخطر، فإن من مسؤولية المجتمع أن يتولّى محاسبته.
لم تعد الكهانة وعظام المفصل رائجة اليوم، لكن الإغريق القدماء كشفوا لنا المخاطر الحقيقية الفعلية للسلوك المحفوف بالمخاطر، ولماذا من المهم عدم ترك المخاطر لرمية نرد بسيطة.