الصندوق السيادي.. إدارة الثروة الوطنية وتأمين مستقبل الأجيال

الأربعاء 13 تشرين أول 2021 289

الصندوق السيادي.. إدارة الثروة الوطنية وتأمين مستقبل الأجيال
 فارس آل سلمان
 
 
يعد قرار  إنشاء أول صندوق سيادي لادارة الثروة الوطنية في البلاد، القرار الأهم و الأجرأ منذ مرحلة التغيير، ولكن سيواجه تحديات كبرى اذ تكمن اهمية هذا القرار كونه سيضع اللبنة الأساس لإنشاء صندوق الأجيال، والذي يهدف إلى تأمين مستقبل الأجيال المقبلة، ويمكن أن تعتمده الحكومة ضمن سياسة الإصلاح الاقتصادي. فالثروة النفطية قابلة للنفاذ فضلا عن كونها مهددة بالاستغناء عنها، وشرعت دول عديدة باعتماد طاقات بديلة ونظيفة.
 تفكر الحكومة بتأسيس صندوق ثروة سيادية، تودع فيه أموال تعادل استقطاعاتها التعويضات الجارية لحرب الكويت (استقطاع 3 % من عائدات كل برميل نفط خام عراقي يتم تصديره).
إن إنشاء الصندوق السيادي يجب أن لا يتم بإشراف نطاق ضيق من المستشارين الحكوميين (مع احترامنا لقدراتهم) وانما من خلال الانفتاح على قوى الشعب وشرائحه لانه صاحب الثروة لا سيما ان الجامعات العراقية تزخر بالاساتذة المختصين في هذا المجال، فضلا عن ان منظمات المجتمع المدني المتخصصة بالاقتصاد والتطوير الاقتصادي سبق وان تناولت الموضوع ونظمت ورش عمل ناضجة ومتقدمة من بينها منتدى بغداد الاقتصادي، وقد شاركت بها منظمات دولية كالأمم المتحدة والبنك الدولي وخرجت بتوصيات رصينة. 
 التحدي الأكبر للمشروع هو الفساد والمحاصصة الحزبية والطائفية وتأثيرهما على عملية تشكيل الصندوق وأسلوب عمله المستقبلي خصوصا في اختيار رئيس واعضاء مجلس إدارة الصندوق. لانه لو تسلل اليه الفساد والمحاصصة سيتم تبديد هذه الاصول والموارد وستضيع للابد. لا سيما أن أمامنا أنموذج صندوق التقاعد (بحجم 50 مليار دولار)، الذي اصبح بسبب الفساد وسوء الإدارة على شفير الإفلاس.
نحتاج الى التأني في رسم هيكلية الصندوق، واطاره القانوني واساليب حوكمته وادارته وتمويله وتنفيذ مهامه ورقابته، اختيار الاستشاريين في تخصصات الاستثمار الدولي والمحافظ الاستثمارية.  
فضلا عن التأني برسم سياسة الصندوق لأننا نريده ان يكون مصدرا جيدا للايرادات (فيما لو تمت ادارته بشكل علمي ومحوكم) لتعويض الفرص الضائعة التي فاتت العراق ومنها ارتفاع أسعار النفط إلى اكثر من 130 دولارا/ برميل في 2008 والذي استغلته النرويج ودول الخليج في تكوين فائض ثروة كبير ذهب الى الصناديق السيادية في حين بدد العراق هذه العائدات نتيجة سوء الادارة والفساد، وتضاف الى الفرص الضائعة بعمر الدولة العراقية.
 المعضلة الاخرى المقلقة هي أين سيتم استثمار اموال الصندوق؟، هل عن طريق الاستثمار بالأسهم أو السندات الدولية المربحة، على غرار الصناديق الخليجية والصندوق السيادي النرويجي ام التوجه الى الاسواق الناشئة ذات المخاطر؟، ام في سوق العقار الدولي وصناديق التحوط وصناديق الاستثمار في الأسواق المالية والسندات والأسهم والعقود الآجلة والمواد الأولية؟.
يضاف الى ما تقدم تساؤل منطقي وهو: هل سيلبي الصندوق تطلعات وطموح الشعب العراقي والحكومة العراقية الحالية في اعادة تنظيم الاقتصاد الوطني بما يضمن تلبية الأمن القومي العراقي؟.
لا أظن ذلك.... لان هذا الصندوق لا يمكن ان يلبي عدة متطلبات في آن واحد، فلو قلنا انه لضمان مستقبل الاجيال المقبلة سيكون السؤال الجدلي والمشروع: ماذا بشأن الاجيال الحالية التي تعاني من الفقر والامية وغيرها؟، ولو اعتبرنا ان هذا الصندوق يمكن ان يكون مصدا لعاديات الزمن وبامكان الحكومة الاقتراض منه في الازمات الاقتصادية عندها سيضطر الصندوق للتفريط باستثماراته في المحافظ الاستثمارية والاصول لتوفير سيولة للحكومة في وقت يعاني فيه السوق من ازمة مالية. لذلك يحتاج العراق الى مجموعة مصدات وليس مصدا واحدا، أي حزمة من الصناديق السيادية من خلال الاستفادة من تجارب دول أخرى سبقتنا في هذا المجال مع وضع اللمسة الوطنية بما يتلاءم ومتطلبات الاقتصاد العراقي.
 يمتاز العراق بوفرة مصادر موارده وثرواته الطبيعية والمالية والبشرية فضلا عن أهمية موقعه الجيوسياسي في المنطقة، مما يستوجب بشكل ملح أن تكون هناك ادارة رشيدة لموارده ولاقتصاده، وهذا يتطلب القيام بإجراءات إعادة تنظيم الاقتصاد العراقي كي ينهض بأعباء التنمية المستدامة لخلق اقتصاد ديناميكي شمولي متكامل، ومنها إنشاء حزمة من الصناديق السيادية تدار بحوكمة رشيدة وشفافية فضلا عن تطوير ودعم الصندوق العراقي للتنمية الخارجية باعتباره إحدى أدوات نفوذ الدولة العراقية لتأمين المجال الحيوي ضمن نظرية الأمن القومي العراقي.
يذكر أن منتدى بغداد الاقتصادي سبق ان نظم بالمشاركة مع الامانة العامة لمجلس الوزراء ورشة عمل تحت عنوان “الصناديق السيادية ودورها في تنمية الاقتصاد العراقي” في 25/10/2017 في فندق المنصور بحضور نخبة من المسؤولين المعنيين والبرلمانيين والشخصيات الاقتصادية المحلية والاجنبية والاكاديميين والمنظمات الدولية والبنك الدولي والأمم المتحدة.