تشيلي تغيّر دستور بينوشيه

السبت 16 تشرين أول 2021 390

تشيلي تغيّر دستور بينوشيه
  جوزفين سالومون
  ترجمة: بهاء سلمان
عندما كانت طالبة شابة وناشطة سنة 1986، اعتقلت «اليخاندرا فلوريس كارلوس» وقضت وقتا داخل السجون السيئة السمعة للطاغية التشيلي اوغستو بينوشيه. حاليا، وبعد مرور 35 سنة، اليخاندرا هي من ضمن نخبة قليلة تم اختيارهم بعناية من قبل الشعب لأجل تفكيك البنية القانونية البحتة التي تبرر ذلك الحكم الإستبداي.
هذه المرأة التي شارف عمرها على الستين، من شعب أيمارا، وهم من أقوام السكان الأصليين، ومدرسة لغة إسبانية وناشطة اجتماعية، وهي واحدة من 155 فردا تم انتخابهم خلال آيار الماضي لوضع مسودة لدستور جديد يحل مكان الدستور الحالي، الذي وضع خلال الحكم الدكتاتوري لبينوشيه سنة 1973. وقد وصف بأنه إنه تغيير لم يكن ممكنا الحصول عليه قبل سنتين فقط.
 
مرت عقود كانت تشيلي خلالها مختبرا لسياسات الليبرالية الجديدة، وكان روادها ما يطلق عليهم لقب «أولاد شيكاغو»، وهم طلبة جامعيون لأستاذ الإقتصاد الأميركي «ملتون فريدمان»، الذي كان يقود السياسات الإقتصادية للبلاد. إلا إن سلسلة من الإحتجاجات التي تزعمها الطلبة ضد الإرتفاع المفاجئ لتسعيرة النقل في العاصمة سانتياغو خلال تشرين الأول 2019 سرعان ما تحوّلت إلى تظاهرات ضخمة ضد عدم المساواة المتأصلة والمزمنة في هذا البلد اللاتيني، وانتقد المحتجون عدم تحرّك الحكومة لمعالجة الإهمال في الخدمات، فضلا عن التمييز الذي تمارسه. أحالت تلك الحركة تشيلي حاليا إلى نقطة بارزة لحركات إجتماعية يسارية، مع تفضيل صعود قيادي طلابي سابق إلى منصب رئيس الجمهورية بعد انتخابات تشرين الثاني المقبل.
كان التشيليون قد صوتوا على إسقاط دستور عهد بينوشيه، وتم انتخاب «مؤتمر دستوري» خلال شهر آيار الماضي، الذي يفترض أن يكتب الوثيقة الإرشادية الجديدة للبلاد. ولا يتمتع السكان الأصليون بتمثيل بارز لهم في تشيلي إلا في فرص نادرة، ولم تصدق أليخاندرا في البداية أنها قد أنتخبت عضوا في المؤتمر؛ غير أن هذه الفترة لا تعد كونها من الأزمنة المعتادة.
 
واقع جديد
تقول اليخاندرا: «كانت لحظة عاطفية للغاية. إنها نوع من المسؤولية المهمة حينما تملك القوة لتغيير الأشياء.»شنت أليخاندرا حملتها بدون دعم مالي من أية جهة سياسية؛ وجلّ ما كانت تملكه هو المتطوّعين وتطبيق الواتساب، حيث وصلت أفكارها إلى الناس عندما كان البلد في حالة إغلاق. وسعت الى تحويل تذمر المجتمع من السياسيين التقليديين لصالحها، حسب قولها.
حققت تشيلي الغنية بمناجم النحاس نموا اقتصاديا هائلا على مدى العقدين الماضيين، لدرجة جعلت منظمة «برنامج الأمم المتحدة الإنمائي»تضعها كأفضل بلد في قارة أميركا اللاتينية ضمن مؤشر التنمية البشرية الصادر عنها، في حين أن مؤشر الفقر لديها تدنى إلى أقل من المعايير الإقليمية بكثير. لكن مستويات عدم المساواة العالية تمنع جزءا كبيرا من السكان من امتلاك الخدمات الأساسية، رافعة من تنامي شعور بإحباط اجتماعي.
قبل كل هذه التطورات، بحسب الناشطين والباحثين، يقف دستور 1973، من خلال سياساته الاقتصادية الليبرالية مساهما بخصخصة التعليم والصحة والرواتب التقاعدية، جاعلة إياها غير متاحة للكثيرين. تقول اليخاندرا: «تعيش غالبية الناس في تشيلي تحت مديونية هائلة، ويستخدمون بطاقات الائتمان لشراء الحاجيات اليومية الضرورية، وأدى هذا الحال إلى غضب وإحباط، جعل الناس لاحقا يخرجون إلى الشوارع، مطالبين بالتغيير».
يعد المؤتمر الدستوري مبادرة لفتح الطريق للأقليات العرقية المتطلعة للتغيير؛ وهو البرلمان الوحيد في العالم الذي يتساوى فيه عدد الإناث مع الذكور. علاوة على ذلك، تم تخصيص 17 مقعدا لمرشحين من السكان الأصليين للبلاد، وهو أمر نادر في بلد شهد تهميشهم لوقت طويل. من بين هؤلاء «أليسا لونكون»، المعلّمة البالغة من العمر 58 سنة من قومية المابوتشي، حيث تم اختيارها لرئاسة لجنة إعادة كتابة الدستور.
 
ثمار متأخرة
حمل انتخاب أليسا رمزية مهمة، فالدستور الحالي للبلاد لا يعترف رسميا بالسكان الأصليين، ويمثل التنوّع المدهش للتمثيل البرلماني جزءا من جعل هذه العملية تدخل التأريخ، بحسب «اريكا روزاس»، مديرة الأميركيتين ضمن منظمة العفو الدولية، وتضيف: «إنها نتيجة لسنين طويلة من المطالب المعطلة للمجاميع المهمّشة، وتمثل تغييرا هائلا حينما يتعلّق الأمر بحماية حقوق الإنسان الأكثر إنسانية في تشيلي».
ترى اليخاندرا أن الالتقاء بالنواب المنتخبين الآخرين أمر مليء بالأمل؛ وتنوه بأن نشاطها وتجاربها خلال فترة حكم بينوشيه، وبضمنها فترة حبسها، أدت إلى صقل رحلتها السياسية، وتضيف: «الغضب لما كان يحصل في تلك المرحلة، وحالات الاختفاء، والموت، والرعب الذي شهدناه تدفعنا اليوم الرغبة في التغيير التي كانت دوما تمثل القوة الموجهة لنا». لكنها تعلق بأن لجنة المؤتمر الدستوري تفتقر إلى الموارد الأساسية، مثل أجهزة الحاسوب، والهواتف، أو حتى مكتب لاستخدامه من قبل 155 نائبا. ويمثل عامل الزمن تحديا أيضا، فلدى هذه المجموعة فترة لغاية بداية السنة القادمة لتقديم مقترح لنص جديد قبل التصويت عليه من قبل كل مواطن يفوق عمره 18 سنة.
لكن اليخاندرا لديها مهمة تؤديها، فهي تريد تأمين احتياجيات الناس المهمّشين تاريخيا، وتمثيلهم نيابيا بشكل مناسب، ويجب أن يكون الدستور الجديد نقطة انطلاق جديدة لمن تم تجاهلهم مسبقا في البلاد.. «لم أكن اتخيّل مطلقا حصول هذا الأمر، لكننا اليوم نصنع التأريخ».