هل على الشاعر أن يقدم شرحاً لقصيدته؟

السبت 16 تشرين أول 2021 176

هل على الشاعر أن يقدم شرحاً لقصيدته؟
  د. جاسم حسين الخالدي 
 
الجواب على ذلك سهلٌ، هو أنه ليس مطالباً بالشرح لما قاله في قصيدته شرحاً حرفياً، كما يطلب بعض القراء، وبسبب ذلك، يتهم بعض الشعراء، أو قل قصيدة الحداثة، بصعوبتها على التلقي، لعدم القدرة على شرح أشطرها الشعرية، كما هو الحال في الشعر العربي القديم الذي يمكن تتبع أبيات القصيدة بالشرح والتفسير.
إن جوابنا أعلاه، لا يعني أننا لا نطالب الشاعر بالمعنى، أو الموضوع، فالقصيدة التي لا تحتوي على موضوع ذي معنى فإنها لا تخلق لها مساحة كافية في التلقي، وتبقى تعاني من فقر في مستوى التقبل، لأن العربي بطبيعته يبحث عن القصيدة التي تلامس شغافه، ويتمنى لو أنه كان شاعرها الأول، وقديما كان الشعراء يتبنون قصائد بعينها ويتمنون لو أنها نسبت إليهم، ولا يخفون اعجابهم بأبيات سائرة على الأفواه، لا لسبب الا لموضوعها والمعاني التي تحملها، فضلاً عن جوانب فنية أخرى.
أما في العصر الحديث، فإن المتلقي العربي لم يخرج كثيراً عن ذلك، فقد أقبل على شعر البارودي وشوقي والرصافي والزهاوي والشبيبي والجواهري، لهذه الاسباب المتقدمة، وجد شعرهم مستويات من التلقي مازالت قائمة إلى الآن لم تستطع نظريات التلقي أن تقتلعها، وتأتي بما هو جديد يجعلها في طي النسيان، فضلا عن التحولات الأخرى التي شهدتها القصيدة العربية على يد السياب وزملائه من إضافات كبيرة اجترحت سبلاً جديدة للتلقي لم يعرفها المتلقي العربي سابقاً، لان هذا التلقي الذي شهده شعر النهضة وحركة الشعر الحر لم يسقط المعنى والموضوع، على الرغم من أن إحدى أهم شعراء الحداثة العربية عدت الموضوع شيئاً تافها لكن متلقي شعرها ما زال يحتفل بالموضوعات والمعاني التي يزخر بها شعرها.
أقول إن دعوى بعض الشعراء بإسقاط المعنى والتحلل من الموضوعات هي دعوى لا تتناسب مع ذاكرة التلقي العربية التي تميل إلى المعاني أكثر من ميلها إلى عناصر القصيدة الأخرى. 
لذلك فإني أشاطر الشاعر (سامي مهدي) في ما سمّاه بقصيدة المعنى التي كتبها ويكتبها ويدعو الشعراء إلى تبني كتابتها، فلعل واحداً من أسباب خلود القصيدة هو ما تحمله من معانٍ، يتلذذ المتلقي بالتفكر بها وتأملها.
إن مناسبة هذا القول هو الدعوة المفرطة في المبالغة من بعض الشعراء الذين تبنوا مشروع كتابة قصيدة النثر، من التخلي عن الموضوع والمعنى لصالح قصيدة مفككة، يتشظى المتلقي ولا يحط إصبعه على مغزى القصيدة ومرامي صاحبها، فهي عبارة عن كلمات مصفوفة، وتعبيرات لا رابط بينها، لا ندري كيف جمعتها مخيلة الشاعر، على الرغم من معرفتنا أن الشاعر الجيد هو الذي يستطيع أن يجمع أشياء لا رابط بينها، بشرط أنه يستطيع ان يخلق صورة شعرية تثير التلقي وترفع من منسوب الشعرية.
إن البحث عن المعنى لا يعني الدعوة إلى السطحية والمباشرة في القول بقدر ما تعني الارتقاء بالقصيدة إلى مصاف الشعرية ولا شعرية إلا بوجود المعنى الشعري والموضوع الشعري.