ساعي بريد {نيرودا}.. حلم الوصول الى قلب الشاعر

السبت 16 تشرين أول 2021 136

ساعي بريد {نيرودا}.. حلم الوصول الى قلب الشاعر
 هدية حسين
في المقدمة التي كتبها الروائي الإسباني انطونيو سكارميتا قبل الدخول الى روايته (ساعي بريد نيرودا) لم يتطرق الى هذه الرواية وإنما أشار الى المصادفة التي قادته الى فكرة الرواية بعد أن استدعاه مدير المطبوعة التي يعمل فيها ومنحه إجازة لمدة أسبوع على البحر قريباً من بيت الشاعر بابلو نيرودا والوصول اليه لتحقيق لقاء معه يسبر من خلاله الجغرافية الغرامية للشاعر من أجل الحصول على مبيعات أعلى للمطبوعة، وكان انطونيو سكارميتا في هذا الوقت يكتب روايته الأولى، فحلم أن يقوم نيرودا بكتابة مقدمة لروايته لكي تجد طريقاً أسرع في الانتشار، أي ناشر يرد كتاباً يكتب مقدمته شاعر تشيلي القومي بابلو نيرودا؟ 
 
لكن رواية ساعي بريد نيرودا هي التي حلت بدلاً عن روايته، إنها نتاج أفكار طرأت على انطونيو سكارميتا أثناء مداهمته الفاشلة في اختراق عالم نيرودا (الغرامي) بعد أن قال له الشاعر بنبرة حاسمة (إن حبه الكبير والوحيد هو لزوجته ماتيلدي أوروتيا، وإنه لا يشعر بأية حماسة ولا بأي اهتمام لتقليب ماضيه الشاحب) وبقي انطونيو سكارميتا على الشاطئ أطول فترة ممكنة لكتابة رواية (ساعي بريد نيرودا) وهي مزج بين واقعية تكشف جانباً من حياة الشاعر متزامنة مع أحداث تشيلي المضطربة سياسياً، وبين متخيل يتدفق من موهبة الكاتب، بطلها يدعى ماريو خيمينث، وهو شاب يعمل في صيد الأسماك مع أبيه، لكنه لا يحب هذه المهنة فيتكاسل ويتمارض لكي لا يذهب الى الصيد، فما كان من أبيه الا أن يطلب منه أن يبحث عن مهنة أخرى.
كانت سعادته كبيرة وهو يخرج راكباً دراجته كل يوم من قريته الى مدينة سان انطونيو التي توصف حياتها بالترف البابلي، يتجول في شوارعها، يطالع إعلانات السينما ويعيش أحلامه مع صور الممثلات، وذات يوم عثر على إعلان يطلبون فيه موظفاً في مكتب البريد، فما كان منه إلا الإسراع وتقديم نفسه الى مسؤول البريد، فقال له الموظف الكبير (كوسمي) بأن عمله يتعلق بزبون واحد فقط، إنه بابلو نيرودا، ترده يومياً رسائل كثيرة لدرجة أن من يحملها كما لو أنه يحمل فيلاً، لم يصدق ماريو المفتون بقصائد نيرودا، أخيراً سيراه، وربما سيُريه محاولاته في كتابة الشعر، ومن هنا بدأت مهنة ومهمة ماريو، وقد كان دقيقاً في المواظبة على العمل مما جعل كوسمي يأتمنه على مفتاح البريد، ومن أول مرتب قبضه اشترى ديوان شعر لبابلو نيرودا وطلب منه أن يكتب له إهداء عليه، ليتباهى أمام النساء اللواتي سيتعرف عليهن، وكان الشاعر كريماً معه، ففي كل يوم يمنحه إكرامية، أما الإهداء فلم يكن أكثر من عبارة (مع مودتي. بابلو نيرودا) من دون أن يكتب اسم ماريو الذي لم ييأس وصار يشتري دواوين الشاعر تباعاً، حتى جاء اليوم الذي استطاع فيه أن يفتح حواراً مع الشاعر إثر ورود برقية من السويد لترشيح نيرودا لجائزة نوبل، فكانت البداية لرفقة لن ينساها ماريو، فتحت أمامه أبواب السعادة ومواصلة محاولاته الشعرية التي لم تخرج من عباءة نيرودا، خصوصاً بعد أن وقع في غرام عاملة حانة تدعى بياتريث، لكنه أخفى أنه يُسمع حبيبته قصائد الشاعر مدعياً أنها من تأليفه، قبل أن يعترف مضطراً حين فضحته روسا أم بياتريث وصاحبة الحانة أيضاً أمام نيرودا، لكن صداقة ماريو استمرت برغم ذلك، وقصة غرام ماريو ببياتريث سارت في الرواية بموازاة الأحداث التي ستمر على الشاعر وعلى البلد، وقد استطاع ماريو بعد عذابات وتقريع من الأم أن يتزوج بياتريث، فقد وجدت الأم نفسها مضطرة للموافقة لكي تداري فضيحة العاشقين بغرامياتهما التي تجاوزت الحد.
في هذه الأثناء وردت برقية للشاعر من اللجنة المركزية للحزب، إنهم يرشحونه لرئاسة الجمهورية، فامتلأت شوارع تشيلي بصوره، وظهرت ملصقات تحمل صورته مع عبارة نيرودا رئيساً، وقد كتب الشاعر في مذكراته (جاءت الحياة السياسية مثل الرعد لتخرجني من أعمالي، لقد كانت الحشود البشرية هي الدرس الذي تلقيته في حياتي). 
هل فرح ماريو كون من يحبه سيصبح رئيساً للبلاد؟ أبداً، فقد رافقه الغم على الرغم من أن الشاعر كتب له إهداء يقول (الى صديقي ورفيقي ماريو خيمينث..) لأن المنصب سيبعد عنه تلك الصداقة والرفقة للشاعر الأحب الى قلبه، خصوصاً وأن نيرودا سافر الى مدينة أخرى من أجل بعض الترتيبات السياسية، لكن نيرودا سيسحب ترشيحه لصالح سلفادور الليندي، وبذلك يعود لعالمه الشعري وشاطئه الأثير، ويبقى الزبون الوحيد لماريو، إلا أن الفراق حل بين الاثنين، فقد عُيّن نيرودا سفيراً لبلاده في باريس، وبهذا لم يعد ماريو ساعي بريد نيرودا، كان في هذه الأثناء قد رزق بطفل أسماه بابلو وظل يحلم بزيارة باريس لرؤية الشاعر، ولم تنقطع الرسائل بين الشاعر وصديقه لدرجة وصلت لماريو ذات يوم رسالة مع آلة تسجيل يطلب فيها الشاعر أن يسجل له صوت البحر والنوارس ويذهب الى بيته فيقرع الأجراس ويسجلها، لقد بلغ الحنين مداه بنيرودا فمرض، وحمله أخيراً الى بلده في وقت انقلبت فيه أمور كثيرة بعد ثلاث سنوات من تولي سلفادور الليندي رئاسة الجمهورية، وضربت الفوضى أطنابها، يغذيها أعداء الديمقراطية، فتحدث الإضرابات تباعاً ويتراجع الاقتصاد، حتى تصل الأمور ذروتها بانقلاب العسكري بينوشيه ومقتل الرئيس، وكان بابلو نيرودا في هذا الوقت يحتضر في أحد المستشفيات.
تفاصيل كثيرة مستلة من التاريخ التشيلي ليوم الانقلاب والأحداث التي رافقت ذلك اليوم، ثم موت بابلو نيرودا، وكيف مزج انطونيو سكارميتا ذلك الواقع مع مخيلته الإبداعية التي جعلت من شخصية ورقية (ماريو خيمينث) كما لو أنها من لحم ودم في رواية ممتعة لن ينساها 
القارئ.