العراق.. الطريق الى دولة وطنيَّة

السبت 16 تشرين أول 2021 388

العراق.. الطريق الى دولة وطنيَّة
 سامي العسكري
مرت مئة سنة على تأسيس الدولة العراقية الحديثة في مطلع عشرينيات القرن الماضي، من ثلاث ولايات من ولايات الإمبراطورية العثمانية التي تقاسم املاكها في الشرق الاوسط البريطانيون والفرنسيون ضمن ما يعرف باتفاقية سايكس بيكو. الامير فيصل بين الحسين الذي نصبه البريطانيون ملكا في العراق وصف سكان الدولة الفتية بقوله «أقول وقلبي ملآن أسى، أنه في اعتقادي لا يوجد في العراق شعب عراقي بعد، بل توجد تكتلات بشرية خيالية خالية من أي فكرة وطنية».
فهل تغير الحال منذ ذلك الوقت، ام اننا كعراقيين لا نزال تكتلات بشرية، ننتمي لقومياتنا وادياننا ومذاهبنا قبل ان ننتمي الى وطن اسمه العراق. حين تكون العشيرة او القومية او المذهب هي العنوان الرئيس لكل واحد منا وهو عنوان يتقدم على الانتماء لهذه الأرض وهذا الوطن، فهذا يعني اننا لا نزال كما وصفنا اول ملك في العراق.
وتجسيدا لهذا الواقع وتكريسا له فإننا نجد أن احزابنا السياسية الكبيرة هي أحزاب أساسها اما قومي او ديني او مذهبي، ولا نجد حزبا كبيرا يعبر هذه الانتماءات ويضع الوطنية والانتماء للعراق قبل ان أي انتماءات فرعية أخرى. الانتماء للقومية او الدين او المذهب لا يتنافى مع الشعور الوطني، لكن شريطة ان يكون الانتماء الأول هو لهذا الوطن. العديد من دول العالم مواطنوها ينتمون الى قوميات متعددة واديان متنوعة ومذاهب مختلفة، لكن افرادها يضعون الانتماء للوطن هو الجامع المشترك بينهم وهو الهوية البارزة عندهم. فدول كبيرة كأميركا والهند ينحدر افرادها من عشرات القوميات والأديان والمذاهب، لكنك تجد ان الانتماء لأميركا او للهند هو الهوية التي يحملها المواطن في هاتين الدولتين.
لكل دولة هوية واحدة كبيرة واسعة تكون الوعاء الكبير الذي يحوي كل الانتماءات الفرعية المتنوعة، وتكون الأساس في بناء الدولة الوطنية وفي القوى والأحزاب السياسية التي تقود وتدير هذه الدولة. وقوة هذه الدولة الوطنية وتماسكها ينطلق من هذا التنوع القومي والديني والمذهبي، ومن الثقافات المتنوعة التي تختلط مع بعض لتعطي للدولة شخصيتها ورونقها.
لقد ساهمت عوامل عدة في صنع الواقع الذي نعيشه في العراق، من غياب الانتماء الوطني او على الأقل تراجعه خلف الانتماءات الأخرى. ولعل أبرز تلك العوامل يعود الى طبيعة الأفكار والثقافات التي حكمت العراق منذ تأسيسه حتى سقوط النظام البعثي في 2003. فلقد سادت ثلاث تيارات فكرية تبنتها أحزاب واتجاهات سياسية، وهذه التيارات هي التيار القومي والتيار الشيوعي والتيار الإسلامي. ولو دققنا في ادبيات الأحزاب المنتمية لهذه التيارات الثلاثة لوجدنا ان الأولوية ليست للعراق. ففي الثقافة القومية التي حكمت العراق منذ انتشار الناصرية والبعثية كان العراق مجرد بلد من بلدان الوطن العربي الكبير، وان الهدف الأسمى، نظريا على الأقل، هو الوحدة العربية وإلغاء الحدود التي وضعها المستعمرون بين أجزاء الوطن الواحد. وفي ثقافة الشيوعيين العراقيين فان الأممية الدولية ومركزها موسكو هي الانتماء الحقيقي للكادحين والبروليتاريا وان ما تقرره موسكو «الاتحاد السوفياتي سابقا» هو المرشد والدليل لما يجب عمله. اما الإسلاميون فهم على شاكلة القوميين لا يؤمنون بالحدود بين البلدان الإسلامية ويسعون الى الغائها رغم ان الكثير من تلك الحدود كانت نتيجة للصراع بين الامبراطوريات الإسلامية العثمانية والإيرانية. كان الإسلاميون يأنفون في كتاباتهم وأديباتهم من مصطلح الوطنية او الانتماء للوطن ويصرون على ان الانتماء الحقيقي هو للعقيدة الإسلامية وهي عقيدة عابرة للحدود ومتعالية فوق الانتماءات الأخرى.
قرن كامل لم يستطع السياسيون العراقيون بناء دولة وطنية يشعر كل فرد فيها ان هذه دولته وانه لا يختلف عن الاخرين الذين يعيشون معه في هذا الوطن، رغم اختلاف انتمائهم القومي والديني والمذهبي، وهذا الفشل مرده الى غياب ثقافة او فكر وطني يشكل قاعدة مشتركة وارضية واسعة يعيش فوقها الجميع بغض النظر عن انتماءاتهم الفرعية الأخرى.
لا يمكن بناء دولة على أساس قومي ما دام مواطنوها ينتمون الى قوميات متعددة، ويستحيل بناء الدولة على أساس الدين والمذهب ومجتمعها تتنوع انتماءات افراده الدينية والمذهبية. الوطنية تستطيع ان تجمع هؤلاء جميعا وتكون اطارا يوحدهم، اذ يكون الانتماء لهذه الأرض هو المشترك الذي يوحدهم، في نفس الوقت الذي يحترم الانتماءات القومية والمذهبية ولا يقمعها وانما يجلسها في مقعد يلي الانتماء 
للعراق.
الوطنية لا تعني العلمانية كما يفهمها البعض او كما يريدها بعض اخر، وهي ليست ضرة للدين او المذهب، وامامنا امثلة في محيطنا الإسلامي، فالوطنية الماليزية او التركية او الإيرانية لم تتعارض مع الهوية الإسلامية لشعوب تلك الدول وحكوماتها.
ان الشوط طويل بين واقعنا الراهن وبين الوقت الذي تسود الوطنية ثقافة وفكرا وسلوكا واساسا لبناء الدولة والنظام السياسي فيها، لكن وكما يقال مسافة الألف ميل تبدأ بخطوة. والخطوة الاولى في هذا الشوط الطويل هو التعليم والتربية، فلا بد من بناء أجيال مشبعة بالروح الوطنية وحب العراق والانتماء اليه وجعل هذا الانتماء مقدما وفوق كل الانتماءات الأخرى.