منير عبد الأمير

الأحد 17 تشرين أول 2021 183

منير عبد الأمير
حميد المختار 
 

تعرفت عليه مطلع الثمانينات من القرن المنصرم حين كنا نشرف على طبع كتابنا الأول وهو المجموعة القصصية المشتركة مع كل من (شوقي كريم، عبد الستار البيضاني، علي حميد عودة، حسن متعب وأنا).. التقيت به في مطبعة سلمى وهو المكان الذي صدر منه كتابنا (أصوات عالية)، كان بشوشاً وحيوياً وله القدرة على عقد الصداقات والدخول في مناقشات وإسداء نصائح ومعلومات، فهو يتحدث كثيراً عن كتبه؛ (الروايات والقصص) وعن الروايات التي يقوم بترجمتها من اللغة الانجليزية إلى اللغة العربية، وهو فضلاً عن تخصصه بالكتابة السردية والترجمة أيضاً كتب الأعمال الدرامية التلفازية، ورسم وكتب النقد التشكيلي والسينمائي، وقد عاصر (جواد سليم وجبرا ابراهيم جبرا) وكثيراً من الأسماء الستينية في عالم السرد والفن، كنت أسميه ملك السسبنس .. suspense) ) أي ملك التشويق حيث كان يتحدث عن هذه المفردة في كل أحاديثه التي تخص الروايات والأفلام الشهيرة وكان يضع في اعتباره أنَّ النص الروائي يجب أن يكون ممتعاً ومليئاً بالتشويق وتسارع الأحداث وتناميها، فهو لا يؤمن ولا يريد تلك النصوص المضجرة المملة والرتيبة التي تلعب على اللغة وتفجيرها وتجربة الأشكال التي لم ولن يألفها القارئ العادي وحتى في ترجماته فهو كثيراً ما يترجم نوعية روايات الأكشن والتشويق والمتابعة والغموض بعيداً عن التجارب الذهنية واللغوية التي لا طائل من ورائها غير أنها تصدّع رأس القارئ وتنفّره من القراءة، لذلك نجد في روايته الشهيرة (رجلان على السلالم) التي كتبها مطلع سبعينيات القرن المنصرم ونحن نتابع أحداثها التي تدور في الخمسينيات من القرن المنصرم نتوغل في بيت بغدادي وأسرة عراقية وزواج تقليدي وحِرَف شعبية كالنجارة مثلاً وبالمناسبة والد (منير عبد الأمير) كان نجاراً في محلة الصدرية وقد وُلد ونشأ وتربى في مناطق بغدادية الشعبية؛ لذلك أخلص في حبه وتفانيه ووفائه لتلك المناطق والحارات والأزقة والبيوتات القديمة والنوم على أسطحها أيام القيظ اللاهب ومشكلات الكَنة والعمة والحقد والكره المتوارث بين الجيل القديم (جبوري) والجيل الجديد، بطل الرواية الشاب الذي يدافع عن أخته ضد جبروت (جبوري)، فهو اذاً غضب رجلين وصراع جيلين، جيل قديم بنظرته التقليدية للأمور وبأهدافه المحدودة في الحياة وجيل جديد برؤياه الابداعية للعالم ليلتقي بضمير هذا العصر.. آخر مرة رأيته فيها كان في بيت في منطقة المنصور، كان البيت خالياً من سكانه حيث مات أخوه الأكبر ومنير لم يتزوّج فبقيَ وحيداً هناك بجسد متعب وسنين طويلة أثقلت كاهله، وقد تذكرت كل ذلك وأنا أعيد قراءة رواية (رجلان على السلالم) حين يقول في خاتمة الرواية ص184 “كان المكان يذكرني مرة أخرى بل وأكثر من المرة الأولى بالأسى لخلوه من جبوري والوجوه؛ وجه أختي فضيلة ووجهي ابنتيها نهلة، ونجلة وبالغياب الأبدي لرب البيت”.. وقد كان ذلك أيضاً غياباً أبدياً لواحد من أهم كتّاب الرواية الستينيين العراقيين ومن الذين أخلصوا للزقاق العراقي والأسرة ومشكلات تضاد الأجيال.. والآن وبعد أن هبط بطل روايته سلالم (الآن) أو سلالم الأبدية، بقي منير عبد الأمير علامة مضيئة وفارقة للسردية العراقية فوق سلالم الأجيال الأدبية.