هوشيار علي.. حين لا تغدو الإعاقة عائقا

الأحد 17 تشرين أول 2021 119

هوشيار علي.. حين لا تغدو الإعاقة عائقا
  دانيال كاردي
  ترجمة وإعداد: ليندا أدور
وفقا لحسابات علي الخاصة، فقد أسهم بإنقاذ 182 شخصا من حقول الألغام وتطهير نحو 540 كيلومترا مربعا من الأراضي، فضلا عن نشر التوعية والتعليم عن الألغام الأرضية في نحو 700 مدرسة ونزع فتيل أكثر من مليونين ونصف مليون لغم وذخيرة غير منفجرة.
 
بالرغم من فقده لساقيه بسبب لغم أرضي، إلا أنه ساهم بإزالة أكثر من 750 ألف لغم أرضي في 104 قريات من قرى إقليم كردستان شمالي العراق، الذي يعد من أكثر الدول تلوثا بالألغام والذخائر غير المنفجرة من المخلفات الحربية. إنه الأسطورة المحلية، كما أسموه، «البطل» هوشيار علي، وفقا لتقرير مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية.  
يتنقل علي، الذي يسكن قرية بياويلي القريبة من حلبجة، بسيارته الخاصة التي يعرفها الناس، من خلال العلم الأحمر الذي يعلقه على هوائي السيارة كتحذير على انها تنقل مواد متفجرة، الى جانب ملصقات عن مختلف الألغام الأرضية. يتوقف علي قرب مسجد في بلدة قرب الحدود العراقية الايرانية صارت اليوم تحمل اسم «قرية هوشياري»، بعدما كانت تعرف سابقا «كوري كابلا»، حيث نجح علي بإزالة أكثر من 750 ألف لغم أرضي وقذيفة غير منفلقة منها، فقد على إثرها ساقه اليسرى في العام 1994. ليست القرية فقط من تحمل اسم هوشيار، تكريما له، بل والمسجد ومركز الشرطة والمستشفى والمدرسة والوادي كذلك. 
ممتاز ومتهور
يحظى العمل الذي يقوم به علي، بشكل طوعي ومستقل، بإعجاب الجميع. أحد الناجين من الألغام الأرضية، يدعى «إمام كامارين علي نامق»، وكان قد فقد ذراعيه خلال عمله في إزالة الألغام لدى منظمة ماينز أدفايزري كروب Mines Advisory Group. يصف نامق شخصية علي بأنه: «شخص ممتاز للغاية، ويحب عمله لكنه متهور بذات الوقت، فلو كان منظما أكثر، لأمكنه أن يقدم المزيد من المساعدة».
وفقا لحسابات علي الخاصة، فقد أسهم بإنقاذ 182 شخصا من حقول الألغام وتطهير نحو 540 كيلومترا مربعا من الأراضي، فضلا عن نشر التوعية والتعليم عن الألغام الأرضية في نحو 700 مدرسة ونزع فتيل أكثر من مليونين ونصف مليون لغم وذخيرة غير منفجرة. ما يجعل منه بطلا بحق هو أنه قام بإزالة العديد من الألغام وهو مبتور الساقين، بعد أن فقد ساقه اليمنى جراء انفجار لغم أرضي إيطالي مطلع العام 1989. 
لم تقف تضحية علي لجعل منطقته أكثر أمنا، عند فقده لساقيه فحسب، فقد قتل أحد الألغام ابنه الأكبر أثناء رفقتهما في جولة لإزالة الألغام، كما فقد العديد من أفراد أسرته نتيجة لانفجارات ألغام متعددة، فقد قتل شقيقه مختار، وابن عمه بامو، وكذلك ابن عمه فيصل وشقيقه. ولم يقتصر الأمر على ذلك، فقد أصيب شقيقه ريبوار بانفجار لغم أرضي إيطالي من نوع فالمارا 69 منتصف العام 1992، ولم يفقد ريبوار أطرافه لكنه خسر عينه اليسرى.
 
الصاروخ
المزارع محمود أحمد وصل على متن دراجة نارية من قرية تازاداي المجاورة عبر الوادي، وصافح هوشيار مستقبلا إياه بابتسامة مرحبة، إذ إنه طهر نحو سبعة آلاف متر مربع من أرض الوادي الذي يعمل فيه أحمد. يعلق المزارع: «قبل أن يطهر هوشيار الوادي، لم يكن بإمكاننا استخدام هذا الطريق، فقد كان عبارة عن حقل ألغام، واليوم هناك مزارع وكهرباء وعادت القرى من جديد إليه وعاد سكانه اليه، وبفضله عدنا الى العمل والزراعة»، ويضيف مبتسما بحرارة وهو يشير الى علي بكلتا يديه «هو يقوم بإزالة الألغام بلا مقابل ويساعد الناس، ولا يمكن أن نفي هذا الرجل حقه، فكل ما ندفعه له لا يكفي».
يعود هوشيار الى سيارته ليتوجه بها هذه المرة نحو قرية مجاورة لمنطقة بنجوين، حيث يعيش مزارع، يدعى علي، كان قد فقد 13 رأسا من ماشيته بسبب الألغام الأرضية. لدى وصوله، بجسد ممتلئ، يخفي تأريخه الرياضي وطرفين صناعيين. ويخرج من سيارته مستعينا بعصاه، يقول مستذكرا شبابه: «كنت ماهرا بلعبة كرة القدم، كانوا يلقبونني «بالصاروخ» فقد كنت الأسرع بينهم»، مضيفا «اتمنى لو كان بإمكاني الحصول على طرف صناعي ذكي، لأتمكن من ممارسة لعب كرة القدم مرة أخرى». يحتفظ هوشيار في سيارته بجهاز كاشف للمعادن وحاوية للألغام التي نزع عنها المتفجرات، كإكسسوار ومساند للصور التي قد يرغب الناس في التقاطها معه.
 
تحدي الألغام
ينطلق هوشيار وشقيقه رزكار بشاحنة المزارع علي عبر طريق ترابي من دون علامات، مع كاشف المعادن، نحو بستان مظلل بالقرب من جدول مياه، وعلى بعد 150 مترا من التل، يشير المزارع الى كومة من الأسلاك الشائكة تتجاوز مسافة 15 مترا، ضمن عدة علامات تحذر من وجود ألغام. وتبدو الصخور مواضع آمنة، لكن ما حولها من التراب والوحل قد يخفي تحته الألغام التي قد تكون مدفونة تحت الأرض. 
مرتديا سدادات الأذن المتصلة بكاشف المعادن، يمسح هوشيار الأرض يمينا ويسارا، منصتا للتردد الذي قد يكشف عن الخطر الكامن، متتبعا أسلاك تشغيل الألغام، يتبعه شقيقه ليختفيا بين الأشجار والشجيرات. بعد مضي نحو 15 دقيقة، يظهر هوشيار فجأة ليشير الى عثوره على لغم أرضي، بعدها بدقائق، يظهر رزكار وهو يحمل لغما إيطاليا من طراز فالمارا 69، يقول هوشيار، وقد نزع فتيل اللغم: «أفكر في كل شخص أنقذه، ليس الأشخاص فحسب، بل حتى الحيوانات أيضا». 
في طريق عودتهما الى بنجوين، وقبل أن يغادرا سيرديرا، يستوقفهما رجل خمسيني ليخبرهما عن لغم أرضي جرفته السيول من أعلى الجبل إثر عاصفة أمطرت بغزارة في منطقة. يقول هوشيار انه لا يمكنه تطهيرها من دون استخدام المروحية. أثناء ذلك، اختفى رزكار ليعود بعدها ببضع دقائق وهو يحمل لغما إيطاليا مضادا للأفراد من طراز (VS 50) وقد نزع فتيله. يشكر الرجل هوشيار بينما ينطلق بسيارته مسرعا مخلفا سحابة من الغبار تحجب العلامة التحذيرية على خلفية سيارة هوشيار والتي تقول بلسان حال الألغام: «أنا مستعد لأن أقضي عليك أينما كنت!». 
 
*صحيفة الغارديان البريطانية