أين وصلت المباحثات السعودية الايرانية ؟

الأحد 17 تشرين أول 2021 355

أين وصلت المباحثات السعودية الايرانية ؟
محمد صالح صدقيان 
 
أعجبني توصيف وزير الخارجية السعودي فيصل بن فرحان للمباحثات التي جرت بين بلاده وايران والتي قال عنها : إنها "استكشافية" قبل ان يصفها بالـ(ودِّية)
اربع جولات من المباحثات جرت حتى الان في بغداد منذ نيسان الماضي برعاية شخصية من رئيس الحكومة العراقية مصطفی الكاظمي. البعض رأى ان هذه المباحثات عبثية لانها تجری بين وسطين غير متجانسين لا في التصور ولا في الممارسة. البعض الاخر قال انها صعبة وان الايرانيين لا يمكن الاعتماد عليهم لانهم يقولون ما لا يفعلون؛ اما الثالث فانه يعتقد ان طهران مدعوة لتقديم اشارات ايجابية في مناطق النزاع لاثبات حسنة النية؛ اما الرابع فانه يعتقد ان المواقف السعودية حيال ايران متاثرة بمواقف دول اجنبية واجندات خارجية.. وهكذا انقسم اصحاب الرأي في مستقبل العلاقة الايرانية السعودية. 
انا لا اريد تبسيط الامور والقضايا العالقة بين البلدين خصوصا في ماحدث من اختلاف في التعاطي مع مختلف الملفات التي فتحت خلال العشر سنوات الماضية؛ وما رافق ذلك من تدافع امني وسياسي عنيف في مناطق النزاع؛ لكني اعتقد ضرورة لجوء دول المنطقة الی طاولة حوار عند اي خلاف يحصل من اجل تطويق الازمات التي ثبت انها لاتخدم الامن والاستقرار في المنطقة كما انها لاتخدم مصالح دول وشعوب المنطقة. 
ان المنطقة لم تجّرب ثقافة الحوار؛ كما انها تفتقد لمثل هذه الالية بسبب تمسك بعض الانظمة بآليات قديمة وتصورات وقواعد كانت مطبقة في عهد الحرب الباردة والنظام الرسمي العربي من دون ان تأخذ بنظر الاعتبار التطورات والقواعد الجديدة التي تلوح في الافق. 
من الطبيعي جدا ان تملك ايران تعريفا محددا لأمنها القومي والأمن الاقليمي. كما انه من الطبيعي ايضا ان تملك السعودية تعريفا لأمنها القومي والأمن الاقليمي؛ وهكذا الامر بالنسبة للعراق وتركيا وبقية دول المنطقة. ومن الطبيعي جدا ان تختلف التصورات والقواعد استنادا لهذه التعريفات. لكن من غير الطبيعي ان تتحرك هذه التصورات وهذه التعريفات في الميدان لتتحول الی عنف سياسي وعنف أمني وعنف عسكري بشكل مباشر او غير مباشر. 
انا لا اعتقد امكانية الضغط علی الاخر لتغيير قاعدة استناد تعريفه للأمن الاقليمي؛ كما ليس من المعقول ولا الواقع ان نتوقع تغيير الاخر لقناعاته الاقليمية او تغيرا في ثوابته السياسية. الواقعية السياسية تفرض علی جميع دول المنطقة الحوار من اجل التوصل الی قواسم مشتركة لتحقيق المصالح التي تخدم شعوب المنطقة وتخدم الأمن والاستقرار فيها. 
استمرار جولات المباحثات بين الرياض وطهران وخلال رئاستين ايرانيتين يعطي مؤشراً علی نجاح هذه المباحثات ورغبة القيادة في كلا البلدين في الاستمرار في هذه المباحثات من اجل الوصول الی فهم مشترك لـ"حل" او "ادارة" الازمات التي تواجه المنطقة والتي دعت وزير الخارجية السعودي فيصل بن فرحان الى وصفها بالودية؛ في الوقت الذي رای فيه وزير الخارجية الايراني امير عبد اللهيان بانها تسير باتجاه ايجابي وجيد. السؤال؛ هل ان العلاقة بين البلدين بحاجة الی جولات اضافية؟ انا اعتقد نعم. لان مثل هذه المباحثات "الاستكشافية" تستطيع ان تخلق قاعدة وفهما مشتركا لدی الجانبين؛ وتستطيع ان توجد ارضية واضحة وشفافة تنجح في استيعاب علاقة متينة ومستدامة لحل جميع الملفات العالقة بين البلدين. 
انا لا اعتقد ان الازمة اليمنية اهم من بقية الازمات في المنطقة. هناك شعوب اخری في المنطقة احترقت مصالحها بسبب الخلافات الاقليمية ومنها الخلافات الايرانية السعودية. المهم ان يتوصل الجانبان لآلية حوار يستند علی الواقعية السياسية اولا؛ وعلی مصالح دول وشعوب المنطقة بعيدا عن التدخلات الخارجية والاجندة التي لاتريد تطبيع العلاقات البينية ودعم الاستقرار والسلام في المنطقة. 
ان الحوار الايراني السعودية يجب ان ينتبه الی نقطة مهمة وهو تضرر اسرائيل من هذا التقارب الذي يذبح الطموحات الاسرائيلية ويحبط جهودها في محاصرة ومواجهة ايران عبر التطبيع مع بعض دول المنطقة. 
الحوار لايحتاج الی من يقدم التنازلات اولا بقدر حاجته الی وضع اسس للتعاون والتنسيق من اجل العيش المشترك في هذه المنطقة في ظل الأمن والاستقرار والسلام.