بين الفقه الجاهلي والمنطق الشّرعي

الأربعاء 20 تشرين أول 2021 149

بين الفقه الجاهلي والمنطق الشّرعي
  حسن عودة الماجدي 
(الفقه) هو (معرفة الأمور الإلهية والأمور البشرية، والعلم بما هو حق شرعاً وبما هو غير حق) والفقه في إصطلاح المسلمين هو: استنباط الأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية، أو التوصل إلى علم غائب بعلم شاهد، أو العلم بأحكام الشريعة (للراغب الأصفهاني) (ص 391).
أو هو اصطلاح ظهر في الإسلام. أمّا بالنسبة إلى الجّاهلين فلا يوجد بذلك تحديد على ثابت لهم، لعدم وصول شيء معهم في هذا المعنى، وقد وردت اللّفظة (لغة) بمعنى العلم والتّبحر في الشيء والإحاطة به، وقد وردت في سورة التّوبة كلمة ليتفقهوا في الدّين (الآية 122). 
ومن هذا المعنى جاءت لفظة (الفقه) في الإسلام وهنا يقصد بمصطلح (الفقه) الأحكام التي نظمت العلاقات بين الجاهلين، وبيّنت الحلال في عرفهم من الحرام، ويقصد بالحلال كل مُباح أباحهُ أهل الجّاهلية لأنفسهم، وبالحرام كل ماحرّموه عليهم، فللجاهلين شرائعهم الخاصّة بهم، وفي هذا الصّدد مطلوب البحث عن شرائعهم التي ثبّتت الأحكام بحسب اجتهادهم وعرفهم وسنّتهم، وقوانينهم التي وضعوها وساروا عليها في تثبيت المحظور أو المُباح، أي الحرام والحلال والكلام في الفقه الجّاهلي لم يستنبط من (قوانين) أو من مدوّنات قانونيّة أو من كتب في فقه الجّاهلين، وإنّما أخذ في الغالب من الألفاظ الفقهية التي تعبر عن أداء قانونية وردت في كتب الفقه الحديث والتّفسير، وما شاكل ذلك من موارد إسلامية، ومن أقوال وأحكام نسبها أهل الإسلام إلى رجال من أهل الجّاهلية، فيها قواعد فقهية، من بعض أوامر وأحكام أًصدرها ملوك العرب الجّنوبيون قبل الإسلام في تنظيم التّجارة وماشابه ذلك، ففي حقيقة الأمر أنّ ما يُكتب في التّشريع الجّاهلي، مستمد من أوامر وإرادات ملكية ولم يستنبط من كتب مقدّسة، وإنّما كانت التّشريعات والقوانين الجاهلية هي وليدة الظّروف والحاجات اختلف فيها التّشريع في ايام الجاهلية باختلاف القبائل والأماكن، وطبيعة البيئة، فأهل اليمن بنظام حكمهم المستقر، التي كانت حكوماتهم تهيمن على مناطق واسعة، كانوا يختلفون في أصول تشريعهم عن أهل مكة أو اهل يثرب، وكل هؤلاء هم قطّان مدن، وحكمهم هو حكم مدن قاّئم على أساس آراء رؤساء والأحياء والشّعاب، لذلك أن حكم هؤلاء يختلف أيضاً عن حكم القبيلة والعشيرة، ونظراً لعدم وجود حكومات منظمة قوية في معظم انحاء جزيرة العرب لا يمكن تصوّر وجود هيئات قضائية ومؤسسات حكومية ذات قوانين مدوّنة للفصل في الخصومات وانزال العقوبات الرادعة، على نحو ما نراه في حكومات هذا اليوم. وهذا لا يعني عدم وجود أحكام ردع المخالفين، أو عدم وجود أحكام لتنظيم العلاقات في المجتمع، أي عدم وجود أناس لهم علم بعرف البلاد، فكل مجتمع مهما كانت حالته من السذاجة، لهم علم بتطبيق تلك القوانين على المخالفين، والقوانين في المجتمعات البسيطة، هي العرف والعادات المتوارثة عن الآباء والأجداد وان كانت مثل هذه المجتمعات لا تملك محاكم دائمة ذات موظفين وسجلات مكتوبة على نمط المحاكم لهذا العهد، فإنها تملك في الواقع محاكم وحكّاما في المدن مثل مكة ويثرب وتسمّى حكوماتها بحكومات مدن، يحكم الرؤساء والاشراف  ويفضّون النّزاعات وفق العرف والعادات، يجتمعون في مكان معّين، مثل (دار النّدوة) أو في المعبد، أمّا التّباين في الفقه الجاهلي والاسلامي، ان الحكم الشرعي الاسلامي قد عرّف عن الأصوليين هو خطاب الشّارع المتعلق بأفعال المكلّفين بالاقتضاء أو التخيير أو الوضع المبيّن في (مباحث الحكم عند الاصوليين، ج1، ص5، وص14 ) فخطاب الشّارع هو كلام الله تعالى، سواءً كان كلامه ضمن القرآن المجيد أم كان ضمن كلام السّنة الشّريفة بإعتبار أنّ النّبي (ص) (ماينطقُ عن الهوى إن هو إلّا وحي يوحى) (النّجم/ الآيتين 3 - 4)، بل يشمل كلامه تعالى مايستكشف من الأدلة الأخرى غير القرآن المجيد والسّنّة الشّريفة، كالإجماع والعقل، بإعتبار أنّ دلالة هذه الأدلة الأخرى مُستندة إلى القرآن أو السّنّة، فهي كاشفةً خطاب الله تبارك وتعالى بصورة غير مباشرة، إذن يتبيّن لنا بهذا المقام أنّ الفرق بين الفقهين الجّاهلي والإسلامي، فالأول يحكم بموجب الظّرف القبلي والمُناطقي وخالياً من التّدوين والثّوابت، وأمّا الثّاني يعتمد الإعجاز في القرآن المجيد والسّنّة الشّريفة، حيث لايترك شاردة ولاواردة إلّا وأحاط بها من فقه السّماء لافقه القبيلة أوالملوك والأمراء.