مكافحة الفقر.. تحديات وفرص نجاح

الأربعاء 20 تشرين أول 2021 356

مكافحة الفقر.. تحديات وفرص نجاح
  فجر محمد
 
  تصوير: نهاد العزاوي
عندما تبدأ خيوط الفجر الرمادية بالانسحاب، ليحل محلها ضوء الشمس كان صابر مجيد يرتدي ملابس العمل ويلتحق بزملائه في احد مساطر العمال بالعاصمة بغداد، ولكنه بعد أن عصفت جائحة كورونا بالبلاد والعالم اجمع لم يعد يجد عملا مستمرا كما في السابق، ما اضطره للبحث عن فرص عمل اخرى لاعالة اسرته، والحال كذلك ينطبق على نسبة كبيرة من افراد المجتمع الذين اصبحوا بين ليلة وضحاها تحت وطأة الفقر.
 
 
منصة وطنيَّة
خصصت وزارة التخطيط موقعا الكترونيا يعد بمثابة بوابة لادارة المعلومات الجغرافية للقضايا المرتبطة بالفقر وكيفية التعامل مع هذه الامور، وقد وضعت فيها الانشطة والبرامج الخاصة بستراتيجية مكافحة هذه الآفة التي اخذت تفتك بالبلاد، وبحسب المنصة فان تلك الستراتيجية كانت تهدف إلى خفض الفقر ليصل إلى  16 % وعلى الرغم من التحديات التي واجهتها الا ان القائمين عليها ابتداء من الادارة التنفيذية وبمعاونة جميع الشركاء، تمكنوا من تحقيق أكثر من 50  % من النشاطات التي تضمنتها الستراتيجية لتنخفض نسبة الفقر من 
23 % عام 2010 إلى 15 % في النصف الاول من عام 2014.
 
أزمة مزدوجة
 وبحسب التقارير التي نشرتها المنصة فان الظروف القاهرة التي تمثلت بالأزمة المزدوجة (الامنية والاقتصادية) التي عصفت بالعراق وما نتج عنها من تداعيات خطيرة، جعلت نسب الفقر تعاود الارتفاع مجددا بسبب موجات النزوح الكبيرة وتوقف آلاف المشاريع الاستثمارية لتصل النسبة إلى 22.5 % عام 2015، وبحسب المنصة فان صعوبة الظروف وارتفاع نسبة الفقر لم ينالا من عزم الحكومة في مواصلة جهودها الرامية لمحاربة الفقر وهي تشارك المجتمع الدولي ضمن توجهات الاجندة العالمية للتنمية المستدامة 2030، فأنتجت تلك الجهود اعداد الستراتيجية الوطنية الثانية للتخفيف من الفقر في العراق للمدة 2018 - 2022، وفي اعدادها بُذلت جهود كبيرة جدا، استغرقت نحو عامين وهي تهدف بطبيعة الحال إلى خفض الفقر بنسبة 25 % على مدى خمس سنوات.
 
انتظار
التجاعيد التي تملأ وجهه وملامح التعب التي ترتسم على محياه، تجعل من يراه يظن انه على اعتاب الخمسين من عمره، في حين انه في الثلاثين من عمره كانت هذه صورة صابر مجيد الذي يعيل اسرة مكونة من خمسة افراد، اذ يقول صابر بصوت تغلب عليه الحسرة: «في السابق كنت اعمل في ورشة للنجارة، ولكن صاحبها اضطر الى غلقها ما دفعني الى محاولة ايجاد فرصة عمل اخرى، وزججت نفسي في مجال البناء وهكذا تجدني كل صباح انتظر فرصة مع زملائي العمال، ولكن بعد عام 2019 وتحديدا في بداية 2020 بدأت الفرص تقل اكثر واكثر اي مع دخول جائحة كورونا للبلاد، وهذا دفعني الى البحث عن عمل آخر».
 
حقائق
اوردت منظمة الامم المتحدة في موقعها الالكتروني حقائق وارقاما صادمة عن نسبة الفقر في دول العالم المختلفة، ففي احد التقديرات وتحديدا في عام 2015، عاش 
10 % من سكان العالم أو 734 مليون شخص على الأقل على دخل مقداره 1.90 دولار أميركي في اليوم، ومن المتوقع أن يشهد جنوب آسيا وأفريقيا وجنوب الصحراء أكبر زيادة في معدلات الفقر المدقع، حيث يعيش 32 مليونا و 26 مليون شخص على التوالي تحت خط الفقر الدولي نتيجة لوباء كورونا، كما انخفضت نسبة العمال الذين يعيشون في فقر مدقع في العالم بمقدار النصف خلال العقد الماضي: من 14.3 % في عام 2010 إلى 7.1 % في عام 2019 وحتى قبل جائحة (كوفيد - 19). 
أشارت التوقعات الأساسية إلى أن 6 % من سكان العالم سيظلون يعيشون في فقر مدقع في عام 2030، من دون تحقيق هدف القضاء على الفقر، وتهدد تداعيات الوباء بدفع أكثر من 70 مليون شخص إلى هوة الفقر المدقع.
 
انعدام التوازن
ترى عميدة كلية اقتصاديات الاعمال في جامعة النهرين الدكتورة نغم حسين نعمة أن الفقر هو الحاجة او العوز، كما انه مصطلح يشمل انواع الفقر المختلفة ومنها الاقتصادي والاجتماعي وحقوق الانسان، ولا يخفى على احد ان السنوات الصعبة التي مرت بها البلاد، بدءا بالاحداث والاعتداءات الارهابية وصولا الى المشكلات الاقتصادية التي انعكست سلبا على الوضع المعيشي للمواطنين، تسببت باشاعة الفقر بينهم، فضلا عن التباينات في مستوى الدخل بين افراد المجتمع وهناك من انحسر مستوى دخله ما اثر عليه سلبا، وكل تلك الامور اضعفت آليات التعامل لاحداث تنمية مستدامة.
 
التنمية الخمسية
الناطق الرسمي باسم وزارة التخطيط عبد الزهرة الهنداوي بين ان هناك خطة خمسية تتضمن تمكين الفقراء من تحقيق دخل وسكن وتعليم وتحسين واقعهم المعيشي، وايضا لدعم القرى الفقيرة في المحافظات عن طريق انشاء الصندوق الاجتماعي للتنمية، مؤكداً أن «هذه المشاريع ستوفر الخدمات اولا،  ثم فرص العمل ثانيا، وستسهم في تحقيق دخل للاسر في هذه
القرى». 
وتابع الهنداوي ان «اختيار المشروع يتم من قبل أبناء القرية، وقد تم تطبيقه كمرحلة أولى في عشر قرى لكل من محافظات المثنى، وصلاح الدين ودهوك»، مبيناً أنه «تم تنفيذ عدد من المشاريع وتعمل الوزارة في المرحلة الثانية، وسيتم شمول محافظات أخرى بالآلية نفسها واختيار القرى الأكثر فقراً خلال العام الحالي».
 
تحديات
وتجد عميدة كلية اقتصاديات الاعمال في جامعة النهرين الدكتورة نغم حسين نعمة ان الاستمرار بستراتيجية مكافحة الفقر تعترضه تحديات اساسية منها ضمان الامن والاستقرار والحكم الرشيد وضمان عدالة التوزيع وتنويع مصادر الدخل في اقتصاد السوق والتخفيف من الآثار السلبية للاصلاح التي ما زالت قائمة الى يومنا هذا، ولابد من الاستمرار بالتعامل معها لتحقيق الاهداف المنشودة في الستراتيجية، وبالتعاون مع المؤسسات والجهات الحكومية ذات العلاقة، لان تضافر الجهود سيؤدي الى النهوض بالواقع الاقتصادي فضلا عن الاجتماعي والبيئي للبلاد، ومن الواضح ان الجهات ذات العلاقة تولي الفقر اهتماما خاصا لكونه قضية وطنية، ويجمع عليها افراد المجتمع عبر تحقيق التنمية
المستدامة.
 
فرص النجاح
وتضيف الدكتورة نغم «مع وجود التحديات الا ان فرص النجاح تلوح في الافق، في حال كان هناك تطبيق صحيح للستراتيجية، ومنها توفر الارادة السياسية والالتزام الحكومي بقضايا الفقر، فضلا عن التعرف على احتياجات شريحة ذوي الدخل المحدود، وايضا الحصول على الدعم الفني والمادي من البنك الدولي والبرنامج الانمائي للامم المتحدة والمنظمات الدولية الاخرى ليس فقط لمحاربة الفقر بل للاصلاح ايضا ومحاربة الفساد من بين العديد من البرامج الاخرى، وتعزيز كفاية الادارة المالية العامة وتحسين آليات الانفاق الحكومي، الى جانب الدعم الدولي لجهود اعادة الاعمار وهذا كله بالنتيجة سيؤدي الى تصحيح مسار السياسات كما يسهم في رفع كفاءة الاداء الحكومي وتنويع مصادر ايرادات الموازنة
العامة».
 
تعدد الأبعاد
الباحث والاكاديمي في كلية المستقبل الجامعة الدكتور ليث علي يشير الى ان الفقر في المفهوم الاقتصادي متعدد الابعاد فهو يرتبط بالصحة والاسكان واخفاقات في البنية التعليمية، فضلا عن عدم امكانية الحصول على مياه الشرب لانها مكلفة بالنسبة لذوي الدخل المحدود، وفي بلدان العالم المختلفة يقاس مستوى الفقر على المدخول الذي يحصل عليه الفرد، ان تقليل الفقر مرهون بالنمو الاقتصادي فعلى سبيل المثال لو زادت اجور القوى العاملة فان الامر ينعكس بالايجاب على واقعهم المعيشي، علما ان البلاد تأثرت بازمات اقتصادية، ابرزها انخفاض اسعار النفط في السنوات المنصرمة، والهجوم الداعشي الذي ادى الى اغلاق العديد من المصانع الاهلية في المحافظات المحتلة خلف عددا لا يستهان به من الشباب العاطلين عن العمل، فضلا عن تعطيل القطاع الخاص الذي لو تم الاهتمام به لوفر العديد من فرص العمل، وفي الوقت ذاته لساعد  في ايقاف الاستيراد او تقليله على اقل تقدير.