في الشعر والاحتكام إليه

الخميس 21 تشرين أول 2021 132

في الشعر والاحتكام إليه
طالب عبد العزيز 
 
 الشعر في صيرورته الكبرى ابن الشعور الإنساني، قبل أن يكون فعلاً آخر، أو ممارسة عقلية، وهو لحظة خاصة في الزمن، لا تشبه أيَّ لحظة أخرى. نحن لا نذهب للقصيدة، هي تأتي، على خلاف ما يعتقده بعضُنا في ممارسات السورياليين، وإذا كنّا نديرُ لحظة الكتابة بما نراه ناجحاً، فذلك بفعل ما تهادى واستقر وانجلى فينا.
 قد يستطيع الشاعرُ المجيدُ الاتيان بقصيدة، كاملة البناء، واضحة الفكرة، غير منقوصة اللغة، وفيها القدر من الادهاش، لكنها، لن تكون ناجحة ما لم تكن بنت لحظتها الصادقة. قارئُ الشعر يدرك ذلك جيداً، يتلمس القصد الخالي من المشاعر، الفاقد للفطرة، مع اعترافه بنجاح القصيدة النسبي، إذ إنها ستقع ضمن معايير الشعر التقليدية المعروفة، تلك، التي يكتبها أصحاب المشاريع البسيطة، في فهم وكتابة الشعر، ذوو القدرات المتوسطة حسب، أما الذين يعرفون جوهر وحقيقة الشعر، واكتووا بناره، وتقلبوا في أزمنته فسيقولون: لا. أقرأُ لشعراء كثر، واعجب بتجاربهم في الكتابة، وقد اغبطهم على قدرتهم في صناعة قصيدة مقنعة، وقد يبزوني في بيت أو تركيب ما، فأستحسن عندهم التغريب، وجموح الاخيلة، وربما تفاصيل أخر.. لكنني، سرعان ما أضع يدي على الخلل، واكتشف قصدية الكتابة، وخلوها من بذرة الشعور، وفقدانها للذة ومتعة الكتابة، ووقوعهم تحت إغواء التباري مع الاقران، لا بفطرة ما تبرعمَ في قلوبهم، ولا بانشغالهم المضني قبل الشروع بالكتابة. لحظة كتابة القصيدة الحقيقية لا يمكن التعبير عنها بقول محدود، إنما ستشعر بضيق في النفس والتعرّق والتحسّر والندم والخوف.
هناك، من الشعراء من يعتقد بأنَّ كتابة الجملة الاولى من القصيدة آمن ومؤدٍ لصيرورتها، وقمين بتكملتها، وأنَّ أيَّ كلمة تلحق بها ستكون ضامنةً لتحريكها بحسب مشيئته، ولجعلها تصب في نسيجها، وبما يقنع القارئ، ففي اللغة- بظنهم- ما يسع لتستمر الجمل، وتتوالى المعاني، ويتبلور الشعر. نعم، قد يكون التصور هذا صحيحاً، فالشاعر وبحكم قدرته اللغوية والفكرية المكتسبة عبر الزمن والممارسة يتقن صوغ جملة شعرية مقنعة، سليمة المعنى، لا تخلو من الدهشة أحيانا، بفعل ترادف الكلمات والجمل والافكار، حيث ابتدأ وانتهى، وقدرته على الاتيان بما يوصلها بسابقتها، لكن، في فعل خال من الاحاسيس الصادقة، التي هي جوهر ومادة الشعر.
وهناك من يذهب الى المدهش في التراكيب، في ظنٍّ منه بأنَّ القارئ إنما يستجيب بذائقته الى مثل هذه، والمهارة تقتضي من الشاعر ذلك، فتراه يركّبُ المفردة في غير موضعها، وحيث لا طاقة لها به، في مجانية واضحة، ربما بدت للبعض أنها من المتاح والمسموح باستخدامه، وهي مما تتيحه المعاني المضمرة عنده، وقد تبدو كذلك، فقول مثل: «الطاولة تتحدى السقف بفم أدرد» أو» تقول لسيدة المنزل: قبضة السكين نائمة أيقظها جرذٌ أعمى» .. ولنا تصوّر حجم وسعة التراكيب هذه. ترى، هل يمكن أن نجعل مثل هذه قصائد، لنقول للقارئ بأنَّ الشعر والحداثة يحتملان التراكيب هذه؟.