طرائف تراثيَّة

الخميس 21 تشرين أول 2021 371

 طرائف تراثيَّة
   حامد كعيد الجبوري
في موروثنا الشعبي العراقي محطات ومواقف ونوادر وردتنا وتناقلها الناس شفاهياً، وفي السنوات الأخيرة انطلق أكثر من قلم ليجمع لنا هذا التراث الزاخر في العراق وفي البلدان العربية، ومعلوم أن فن الابوذية يكتبه الشعراء الشعبيون في جنوب ووسط العراق، وفي غرب العراق وشماله من المحافظات العربية، وشرق سوريا - الجزيرة - وصولا إلى لبنان وفلسطين وجزء من الأردن يكتبون فن العتابا، والعتابا لا تختلف عروضياً عن الابوذية إلا في الشطر الرابع، الابوذية ينتهي الشطر بحرف الهاء المهمل، (اذيه، أخيه، حميه) وهكذا، والعتابا ينتهي شطرها الرابع بحرف ساكن يسبقه حرف الألف غالباً، وأغلب العتابا تنتهي بحرف الباء، (احباب، أصحاب، باب)، وسيكون موضوعنا حصراً عن ابوذيات وسط وجنوب العراق
حين تطرق باب الدار ويذهب الصغار لفتحه، الابن أو البنت أو الزوجة، فيقال للطارق (أبونا ما موجود)، هنا أركز على (أبينا) التي تعني الأب كبير البيت، وبلا نقاش كذلك الجد كبير البيت، الأعمام والأخوال ليس بالضرورة هم الأكبر من أبناء الأخ أو الأخت، والشائع أن العم والخال أكبر سناً من ابن الأخ أو الأخت، وكثيراً ما نجد ابن الأخ أكبر عمراً من عمه أو خاله، ومن هنا تواردنا ما قيل في ذلك. الكثير من الرجال يعشقون ويتغزلون بنساء هن أصغر سناً من العاشق، وبالمقابل نجد الكثير من النساء لا يفصحن عن عمرهن الحقيقي، فنراها تدهن شعرها وتجمّل منظرها، وتعتني كثيراً بمساحيق التجميل، وأخيراً بدأن إجراء عمليات جراحية لشد الوجوه وشفط البطون وما إلى ذلك من وسائل الزينة الحديثة، وكأنَّ الرجل والمرأة يريدان التمسك بآخر لحظة جمال وصبونة ودلع وتغنج وتفاخر بالشباب.
مرَّ رجلٌ بزقاق فوقعت عيناه على صبية ولا أجمل منها فقال لها السلام عليكم، فقالت الصبية وعليكم السلام (هلا خالي)، استاء الرجل - الشاعر - لهذا الجواب فقال لها مرتجلاً بيتاً من الابوذية، خالي ... گلب الما يهزه الشوگ خالي/ لا حب فيه ميت بالحيا وبالظيم خالي/ اتركه هكذا - خليه - فدوه يروح إلچ عمي وخالي/ الخال أخ الأم يبعد اهلي وبعد كل البريه.
أحد الشباب لم يرزقه الله بوجهٍ صبوح، ولم يرزقه بوفرة من المال أيضا، ومن الطبيعي مثل هكذا شباب لا تتطلع رغباتهم العقلانيَّة بالزواج إلا لمن يشبهه مالاً وجاهاً وصباحة وجه، وأراد أنْ يخطب زوجة له واختار لمن تشبهه بكل شيء، وحين ذهبت أم ذلك الشاب قالت البنت بيتاً من الأبوذية جواباً للخاطبة الأم، ولا بيك ... أقسم لا ابي شوفك ولا بيك/ لا أرغب برؤيتك جدك ما صلح حالك ولا بيك/ الأب نفع ما تلكه لا بيه ولا بيك/ ليس فينا نفع الاثنان الفُگر والعوز صار النه الهويه.
قيل في العم الكثير من الابوذيات، وأغلب تلك الابوذيات تستنكر وتستهجن قول الصبية للرجل (عمي) أو (عمو)، وكما قلنا بدءاً العم لا يكبر عمراً على ابنة أو ابن الأخ، وقد نجد أنَّ العم أصغر سناً من ابن أو ابنة الأخ. وهذه قالت لشخص نظر لها طويلا: ها عمي، يبين أمضيع؟)، بمعنى لماذا تنظر إليَّ، هل ضاع منك شيء فقال هذه الابوذية:
عمي... عيون الما تحن ع الشيب عمي/ من العمى تاج وللفخر وأفراح عمي/ انتشري بين الناس سابيني اليكول ابغيض عمي/ العم اخ الأب نعم ضايع تشب نيران بيه.
وقال الشاعر رشيد الحميداوي لصبية يعشقها بعد أنْ قالت له (عمي):
عملها اغركت روحي ابحر شوگك عملها/ لها عام تعشقك وعين الماتره شخصك عملها/ لها العمى التره شيبي تناديني عملها/ عم لها وتعيرني بسوات اجفاك بيه. سوات: تعني ما فعله الجفاء بي.
وهذا شاعر يشكي حزنه وأحبابه وأهله وحتى أخيه (عضيدي) فيقول:
وعماي... الحزن چودر ابدلالي وعماي/ عم الحزن وخيّم هلي وأحبابي وربيعي وعماي/ أعمامي العضيدي حسره اجرنه وعماي/ العمى وكل حسره تشب نيران بيه.
ويواجه الشاعر (حسن ابو ناصر) خلاف ما ذهبنا إليه، فها هي المرأة التي تكبره بالسن تقول له (عمو)، فقال شبه ساخر منها:
عمو احبابي وعلى حالي اعيون عمو/ عميت عيونهم وعلى عمري بجفاهم ليش عمو/ بمعنى أنَّ فراقهم أثر فيه وعمَّ عليه بالحزن حبيبي شما ندهني يگول عمو/ العم وعشريني العشتها اعدال ميه.
نلاحظ هنا في قفل الابوذية قوله إنَّ هذه السنين العشرين التي عشتها تعدل مئة عام، لذلك بدا لهذه المتصابية أنه أكبر منها سناً فخاطبته بـ»عمو».
وهذا شاعر آخر يقول: يداي.. جرح الكلب من فركاك يداي/ ينزف كصيره وماتنوش العنب يداي/ يدي اخاف اكبر تكلي عيب يداي/ جدي وأنا كلبي اليحب والشيب بيّه.
وهذه عجوز أحبت في صباها شاباً وعشقته بجنون، ولكن لم يكن من نصيبها فتزوجت من غيره وبمدينة غير مدينة حبيبها، وبعد أعوام كثيرة مرَّتْ قال لها أحفادها: (حبوبة حبوبة... نزل يمنة جار يكولون من أهل ولاية...، قالت هلة بريحة اهلنة وشهكة اصباي)، سألت أحفادها عن اسم الجار، بعد جواب الأحفاد علمت أنَّ اسم جارها الكامل هو حبيبها فقالت:
ياري... عليك الدمع مثل السيل ياري/ يجري ويا فكر البقة بالراس ياري/ اي رأي بقي لي بعد هل عمر ولفي ايصير ياري/ الجار عجوز وردن العشرين بيه.