اعترافات خادمة

الأحد 24 تشرين أول 2021 269

اعترافات خادمة
 نهى الصراف
يعتقد أغلب الناس بأن مهنة الخادمة هي أشبه بقدر مفروض على نوع معين من البشر، اذ تدفعهم في الغالب ظروف حياتية قاهرة (للنزول) إلى مرتبة أقل من سائر أصحاب المهن، وهم لذلك يستحقون الهالة التي يحيطها بهم الآخرون؛ هالة تبعدهم بمسافة (أمان) كافية عن بقية أفراد المجتمع العاديين، هذه النظرة المخجلة يكاد تأثيرها يتلاشى في بعض مجتمعات العالم الغربي، مجتمعات تخلصت من قشور ومخلفات العهود الماضية.
 
 اذ كان يتم تقييم الإنسان وفقاً لمكانته الاجتماعية وموقفه المالي فحسب، على الرغم من ذلك، فإن القوانين والأسس التي وضعتها هذه المجتمعات للتعامل مع روح العصر الجديدة، لدعم أبناء الطبقات الضعيفة والهشة، هي ذاتها من تمارس قسوتها عليهم بطرق غير مباشرة بدعوة توفير الحماية لهم والتأكد من حصولهم على حقوقهم كاملة، لكنهم في الوقت ذاته مجرد مجموعة من الأوراق والثبوتات الرسمية، والخطأ إن حصل فلا تسامح ولا تعاطف على طريقة (القانون لا يحمي المغفلين).
 (خادمة)، مسلسل أميركي بدأت شبكة «نتفليكس» بث حلقاته ابتداء من تشرين الاول الجاري 2021، و يتناول حياة أم شابة تكافح لتربية ابنتها الوحيدة بعد تعرضها لسوء معاملة من قبل شريكها، في لحظة مواجهة مع النفس، تجد نفسها بين خيار أن تستسلم فتضحي بحريتها وإمكانية توفير حياة أكثر أماناً واستقرارا لطفلتها، أو أن تتحمل المسؤولية كاملة وتتخلى عن شريكها الذي يدمن الكحول ويدخل بين فترة وأخرى في نوبات فوضى تفسد كل شيء، وفي محاولة منها لبدء حياة جديدة لا تجد الأم العازبة سوى مهنة تنظيف المنازل.  
حصل العمل الدرامي على تقييم عال من قبل النقاد والمشاهدين على حد سواء، فور عرض حلقاته الأولى، كونه يقدم باقة مكثفة من المشاعر الإنسانية ويدفع بالمشاهد للتعاطف غير المشروط مع بطلة القصة التي تنتمي إلى أكثر الطبقات الاجتماعي المهمشة، فيتابع بإعجاب رحلتها الشاقة لمقاومة مد اليأس في يومياتها وكفاحها من أجل ضمان حياة كريمة لطفلتها، حتى لا تتكرر مأساتها هي نفسها بعد أن عانت من شظف العيش وهي تتنقل بين منازل مؤقتة مع أم عازبة عانت ما عانته هي الأخرى من سوء المعاملة من قبل زوجها، والد الفتاة.
جسدت دور الأم الشابة ببراعة الممثلة وعارضة الأزياء الأميركية «مارغريت كوالي» وهي ابنة الممثلة «آندي مكدويل» (التي تجسد دور أمها في المسلسل أيضاً)، بينما يقوم «نيك روبنسون» بدور الأب الشاب الذي يدمن على الكحول ويدفع بشريكته للهرب من واقع بائس. تكتب الأم في يومياتها تحت عنوان «اعترافات خادمة»: « تنظيف منازل الناس، يعني أنني أقضي ساعات في إزالة الغبار عن خزانات يكفي ثمنها لإلحاقي بالجامعة، وغسل أرضيات خشبية يكفي ثمنها لشراء منزل لي، من الصعب ألا أرغب في اقتناء أغراضهم أو التمتع بحياتهم، لا ان كلمة (أرغب) مخففة جداً، بل (أشتهي)، هذا مناسب أكثر،  من الصعب ألا يشتهي المرء تلك الحياة التي يتوق إليها».
في إحدى المرات تتحدث ألكسي «مارغريت كوالي» مع رئيستها في مكتب الخدمات، عن إحدى زبوناتها من الأثرياء التي تقدم لها خدمات التنظيف بين الحين والآخر، فتقول بأن السيدة أحياناً تعاملها كصديقة فتحدثها عن خصوصياتها وأحيانا أخرى تنقض عليها بدون سبب، رئيسة مكتب الخدمات أكثر دراية عن طريقة تفكير (هؤلاء) الأثرياء، فتسخر من الكسي وهي تقول بثقة: «ما من عميل يعتبرك صديقة أبداً» فتجيبها الخادمة: «روت لي قصة حياتها في عطلة عيد الشكر»!.
تعاجلها رئيستها بسخرية واضحة: «إنها لم تكن تتحدث إليك، حتى إن كان العميل ينظر إليك ويوجه كلامه إليك فانه في الحقيقة يتحدث إلى نفسه، أنت غير موجودة، إن مت الآن وأرسلت فتاة أخرى بدلاً منك، فلن تلاحظ».  
يدخل الحرمان من الطعام، باعتباره حجر عثرة في طريقها، في كل تفصيلة من تفاصيل حياتها اليومية، وهي حين تقدم الفطائر لطفلتها تحاول اقناعها بإكمال طعامها لكن الصغيرة تصر على الحصول على قليل من الصلصة الحلوة المكثفة التي توضع في العادة على الفطائر، لكن الأم لا تستطيع تقديمها فتلجأ للحيلة وهي تقول: «ما رأيك بإضافة صلصة السيروب السحرية؟»، ثم تتخيل بأنها تصب الحلو على الفطائر بتمثيلية سخيفة تداعب فيها مشاعر الطفلة التي تنشغل بالضحك على هذه المزحة وتنسى أمر الفطائر الجافة، تسير وجبات الطعام الفقيرة على مدار ساعات يومها المرهق بسبب تنظيف المنازل فلا تجد في النهاية غير (النودلز) لتختم به يومها، وحتى عندما تدخل في حوار ودي مع المشرفة على منزل إيواء المعنّفات، فإن السيدة تدعوها إلى ضرورة حضور جلسات العلاج الجماعي وعندما تلحظ ترددها بسبب انشغالها بالعمل ورعاية ابنتها المريضة، ترمي أمامها طعما يسيل له اللعاب: «تعرفين يا عزيزتي بأن بعض الحاضرات يجلبن أحياناً حلوى الدونتس»!..  
برامج الرعاية الحكومية ودعم المنظمات الإنسانية تخفق مراراً في تقديم العون للأم العازبة، لتضعها داخل إطار ضيق يصعب معه التنفس حتى،  يأخذها الروتين والبيروقراطية إلى متاهة الأوراق الرسمية التي يتوجب عليها تأمينها حتى تتحصل على حقوقها الزهيدة، كل دولار تحصل عليه تدفع ثمنه ملفا كاملا من الأوراق التي تحتاج إلى إمضاءات كثيرة وكفالات من الأشخاص المعنيين غير المستعدين لتقديمها على الأغلب.
هذه اليوميات المعقدة جديرة بأن تتوزع على أكثر من حياة، حتى يتم استيعابها والتعامل معها من دون أن يصاب المرء بنوبة هلع ثلاث مرات في الأسبوع!.