الدوال الاستفهامية في مجموعة فوانيس عتيقة

الأحد 24 تشرين أول 2021 177

الدوال الاستفهامية في مجموعة فوانيس عتيقة
   أشواق النعيمي
 
يسجل النسق الاستفهامي حضورا فاعلا في مجموعة «فوانيس عتيقة « للشاعر جاسم العلي، والذي يتنوع بين الأسلوب المباشر والمضمر وتضمين السؤال البلاغي داخل حيز العنوان . ينفي الشاعر في قصيدة «وصول» بسؤال يستهل « بكيف»، موظفا ضمير الجمع المتكلم وبنبرة أقرب إلى التشاؤم إمكانية إصلاح منظومة الحياة والظلام يحيطها من كل جانب كدوائر مغلقة، لا يمكن اختراقها بالتزامن مع فقدان الرؤية الواضحة لإصلاح ذلك العطب الكبير الذي أصاب كل مفاصلها في محاكاة استعارية معاكسة لمشهد المساء، الذي ورد بوصفه كينونة الحياة مقابل النهار الهامش والظل المرهون بزوال الأصل .
كيف نرمم هذا المساء؟
وكل الدوائر مغلقة
في حفلة عميان
كغشاء الغيم
تتنفس فيه الذاكرة، والمطر
هل تعود الحياة يوما لحلم مؤجل، سؤاله التالي بأداة الاستفهام “هل”، التي خرجت عن التصديق إلى التمني في قصيدة الومضة التساؤلية “ الذاكرة أنثى “ مترجيا أي إشارة تبث الحياة في ما صار طي النسيان لكنه مازال يحتفظ ببقية أمل .
هل تعيد الأصوات الحياة
لرغبة مبللة
لا يملك الشاعر وهو يتحسس آثر جرح أدمن الألم غير السؤال وسيلة لاختبار أهون الأمرين ما دام الفراق فعلا مؤكدا. في قصيدة “من تجاعيد اللقا” من سيضع نقطة النهاية لتشرق لحظة البداية (الفجر) وإن كانت مرصعة بالندوب؟ من سيفتح شباك (الفضاء)، الذي يرمز للحرية المطلقة التي تكشف عن إيحاء مركب لبعدين دلاليين متعاكسين (الاحتواء، التحليق)، لما تبقى من مشاعر، وأيهما سيفعل، الجرح أم حب فقد صدقه؟.
على أكتاف خريف الشمس
يختبران الفراق
على زهرة ترقد فوق الطاولة
أيهما يوقظ عطرها
في الفضاء ؟!
تتوالد المزيد من الأسئلة في قصيدة “فوق تحت” بعنوانها المشفر عن سيناريو الصدفة. أسئلة مبهمة مرتبكة قابلة للتأويل المفتوح، تحيل القصيدة إلى صورة مونودرامية للتفرد الزمني رغم حضور (أين) المكانية، ويبقى الخطاب الشعري مجرد مرآة تعكس أفعال الوقت. ماذا كان ذلك؟ أحقيقة أم سراب زائل؟ وأين؟ الشك الذي أتعب الشاعر أراد تمريره إلى المتلقي، عبر حبل الأسئلة والعبارات المكثفة بمعاني الحضور الوامض والانطفاء .
المصادفة المقلوبة حذرة
بمسمار صباح الكلمات
صمت اللحظات تتناسل فيها العزلة
ماذا؟ أو أين؟
أفضى الحفر في شفرات عنوان ونص قصيدة الومضة “نصفك” عن كشف حضور مكثف منطوق لأنساق استفهامية مضمرة، تبدو للمتلقي صورة انفعالية لخيال عرضي راود الشاعر. وفي الدالة البلاغية هي أجوبة مختزلة لأسئلة مباغتة حضرت في وعي الشاعر بدأت بأدوات الاستفهام (من. كيف . كم. ما) القابلة للتأويل والتغيير الدلالي والتسلسلي. كما يمكن قلب الومضة رأسيا دون أن يحرف المعنى أو يؤثر في طبيعة العلاقة بين عناصر الصورة الشعرية.
فوضى...
ونصف عمر
.....  جنون 
ويمكن رصد بعض التساؤلات العرضية المضمرة في قصيدة “ألق أو ضياع”، التي تجسد حالة التشتت والبحث عن هوية طوباوية في عالم عبثي (ضياع المدينة) من خلال محاورة افتراضية حُذف استفهامها، يمنح المحاور فيها الآخر الغائب حق اختيار الهوية في محاولة لَم شمل التضاد الدلالي (الق، ضياع ) في لوحة واحدة .
أبحث عن ألق امرأة
في ضياع مدينة
فاختاري أنتِ
عنوان عينيكِ
وتتميز قصيدة “أبوة” من ناحية المضمرات الاستفهامية بشبكة الانتقالات الحسية المتراوحة بين صوت المتكلم بضمير الأنا وضمير المخاطب وخطاب الحاكي العليم، فيختلط على المتلقي في زخم تقاطع الأصوات إيقاع الحدث المتضمن داخل إطار القصيدة. ويهيمن الإيهام الذهني على ملامح النص الشعري المتكئ على ارتدادات افتراضية بين عالم الحياة وعالم الموت المرتقب، لتتلاقى مسارات الانتقال والارتداد النصي في محاور استفهامية مفقودة نفترض لها ( كيف، ما، من) .
الناقوس يدق
لا شيء ثابت
وفي الردهة وحدي
وقد يتموضع في عنوان القصيدة سؤال يترقب في النص جوابا مثل قصيدة “من” الاستفهامية التي تشكلت وفق النسق الزمني المتدرج الذي يبدأ من الماضي المرتكز على قرار الفعل (أضحى) المفعم بدلالات الأمل والانطلاق باتجاه الحياة الجديدة وصولا إلى الحاضر المؤكد في صفته ونهجه ومنظوره إلى المستقبل، بوصفه حلم التحول اليقيني مهما طال انتظاره. يضمر النص خطابا تنبؤيا يحاكي حال الشاعر في انتقاله من صور الأمس وما تلاه من حذف الفعل الناقص ليسمح للمتلقي ملء فراغه بفعل أدى إلى تكامل الرؤية الشعرية .
أضحى بعينيكِ الشراع
.. سيدا للريح
هو بوصلة الفراديس
المؤجلة
يعاود الخطاب الشعري استفهامه في قصيدة «مسافة” لسؤال الذات الجمعية العالقة في المسافة التي تفصل بين الأضداد، التضاؤل الذي يفضي إلى التلاشي واللا وجود أو الوجود المتمكن. رغم أن القصيدة تستهل بنفي النضوج وما يترتب عليه من هشاشة الحضور، لكنه يتدارك بذكر تأثير الأحداث السياسية والصراعات وتداعياتها على الهوية العراقية، لتستلب حقها في النمو الانثروبولوجي السوي وتحيلها إلى خيارين لا ثالث لهما .
 ترى من يفوج؟
في تداخل هذه البحار
كي يفسر للحزنِ
معنى التضاؤل
أو
في اكتمال النضوج