بساطة الشعر.. الحافلة بالتوريات في قصيدة لأرميتاج

الأحد 24 تشرين أول 2021 70

بساطة الشعر..  الحافلة بالتوريات في قصيدة لأرميتاج
  محمد تركي النصار
 
تتألف قصيدة (اعط) للشاعر البريطاني سايمون ارميتاج من خمسة مقاطع غير متساوية الطول، اذ تتراوح بين اثنين، ثلاثة، ثلاثة، اثنين ثم، اثنين بالتتابع.
وتمتاز القصيدة بإيقاع قوي يتكرر بثماني ضربات في كل بيت، ويعرف عن ارميتاج بأنه يمتلك أذنا مرهفة للإيقاع القوي في معظم قصائده، نغمة القصيدة هنا حزينة وتدفع القارئ للتفكير بالوضع البشري، والبؤس الذي يعيشه رجل مشرد في الشوارع. 
تستخدم القافية مرتين فقط في النص لتقوية بنيانها الذي يكثر فيه استخدام الجناس ما يعطيها دفقا سرديا يخدم ثيمتها، إنها قصيدة شجية 
تطرح أسئلة عن القيم الاجتماعية والتباين الحاد بين الطبقات، إذ نرى صوتا سرديا مؤسيا يلامس شغاف القلب، وبعض التعليقات التي يستخدمها الراوي (المشرد) وهو يطلب المساعدة من الآخرين تتسم بالقطع، أي انها ليست وجهات نظر قابلة 
للاجتهاد. 
 القصيدة تريد أن تضع القارئ وجها لوجه أمام مشكلة اجتماعية نفسية اقتصادية مركبة، وأعني بذلك قضية التسول والتشرد. اذ يخاطب الراوي القارئ مستخدما الضمير الثاني ليزج به في مواجهة مسؤوليته وهو يرى هذا المتسول تائها في الشارع باحثا عن مأوى في البرد والصقيع، ولأن ارميتاج يعيش في يوركشاير وفي مدينة كبيرة مثل برادفورد وليدز، فهو واع تماما بوضع هؤلاء الناس وعذاباتهم التي يتجاهلها معظمنا، أما بسبب العجز أو الانانية أو اللامبالاة والقسوة أو لأن المشكلة في بعض البلدان غدت خارج حدود السيطرة وتحتاج الى امكانات مادية قد تعجز تلك الدول عن توفيرها.
في البيت الأول من القصيدة يخاطب الراوي وهو المشرد، القارئ مباشرة وبطريقة غير رسمية باستخدام كلمة (عزيزي) وربما يوحي هذا بنوع من التهكمية اللاذعة التي يراد منها جذب انتباه أقوى لمشهد بؤس يتكرر ولا يلقى ضحاياه إلا التجاهل. 
وفي المقطع الثاني نرى تجسيدا لهذه التهكمية، إذ تلامس كلمات الراوي حافات السخرية اللاذعة. وفي البيت الأخير من هذا المقطع يقول المشرد بأنه تحت النجوم، وعندما نأخذ ظروفا مختلفة في الحسبان قد يعد هذا شيئا ايجابيا، لكن الحقيقة المرة هي ان الليلة المرصعة بالنجوم هي كابوس المشرد الأسوأ والأكثر برودة وصقيعية من ليلة غائمة تكون الغيوم فيها نوعا من الدثار والغطاء.. نرى هنا مرارة القسوة في المقارنة بين تدرجات العذاب. 
في المقطع الثالث يستخدم ارميتاج تكرار ثلاثة معادن نفيسة في الأبيات الثلاثة الاولى المتعاقبة، وتزداد قيمة هذه المعادن لتخلق تصاعدا فنيا مؤثرا ونحن نستمع الى المشرد وهو يشرح لنا ماذا يفعل للحصول على هذه المعادن الثلاثة. 
ويزداد طول البيت الشعري بحسب أهمية المعدن الذي يذكره، ونلاحظ نوعا من الخفوت الذي يصيب الثيمة 
الشعرية فتبدو كأنها حوارات ممثل سيرك أو بهلوان، إذ يساعد استخدام المجاز بتسريع ايقاع النص وزيادة انسيابيته وتوتره الدرامي في الوقت نفسه. 
يختلف مقطع النص الرابع لسببين أولهما ذكر البخور وزيت المر بعد أن تم الحديث سابقا عن الذهب في تلميح الى الحكماء الثلاثة في الانجيل الذين جلبوا لعيسى ابن مريم (الذهب والبخور وزيت المر) في احالة واضحة للكتاب المقدس.. ونتساءل هنا عن الهدف الذي اراد ارميتاج أن يحققه.. هل اراد أن يلمح الى ان الرجل المشرد هو مسيحي؟ اذ معلوم ان المسيحية ظاهريا تقترن بالخير والفضيلة. وهل ثمة اشارة مبطنة بأن المشرد هو رجل خير يستحق المؤازرة؟.
السبب الثاني الذي يجعل من هذا المقطع ذا جاذبية شعرية هي التوريات التي تستخدم خصوصا كلمة (change) التي تعني «خردة نقود» وتعني أيضا تغييرا ينتظره الرجل المشرد لإنقاذه من البؤس والضياع. 
حذاقة واضحة يتميز بها ارميتاج في استخدام الكلمات وترك الباب مفتوحا للقارئ ليخمن المعنى ويسيح في فضاءات التأويل.
وفي آخر أبياتها تسلط القصيدة الضوء على أهمية بذل الجهود لتخفيف الأعباء عن شرائح واسعة في مختلف أنحاء العالم تقع ضحية التشرد والتسول والضياع بكل أبعاد هذه المشكلة المركبة من الفقر والتهميش والاضطراب السياسي والاجتماعي:
 
اِعْطِ
من بين جميع الأماكن العامة
اخترت أن أخلق هذا المشهد هنا يا عزيزي
من بين كل الطرقات في هذا العالم
اخترتك مأوى أنام فيه
أنا أعيش في الشارع تحت النجوم. 
بالنسبة للنحاس بإمكاني أن أغني وأرقص
بالنسبة للفضة أبتلع السيوف آكل النار
بالنسبة للذهب أهرب من الأقفال والسلاسل
ليس الأمر كما لو أنني أعاني
لأحصل على البخور وزيت المر
بل انني أبحث عما ينقذني
ويغير حياتي
أنت تعطيني شايا
وهذا كرم منك
أنا ضارع على ركبتي
متسولا.