القصة القصيرة جدّاً وإشكاليَّة التجنيس مجموعة (السنونو) أنموذجاً

الأحد 24 تشرين أول 2021 90

القصة القصيرة جدّاً وإشكاليَّة التجنيس مجموعة (السنونو) أنموذجاً
  حسن الكعبي 
 
في تعريفه للقصة القصيرة جدا كتب القاص والروائي حنون مجيد قصة حملت عنوان (السنونو) وهي ضمن مجموعته القصصية القصيرة جدا والموسومة بالعنوان نفسه، وفي سياق الاقتران القرائي مع هذه القصة التعريفية نقع على توصيف للقصة القصيرة جدا يشير الى حجم القصة من حيث محمولها الكمي للكلمات او التكثيف الاقتصادي اللغوي، ومن ثم هي لا تصلح كحاضنة تعريفية للقصة القصيرة جدا، بل إنها كانت تحمل نوايا الكاتب في عقد اتفاق ضمني مع القارئ بأن ما تضمه مجموعته هو قصة قصيرة جدا، أي أنه لا يدع لهذا الجنس ان يتكفل بمهمة التعريف بنفسه للقارئ.
إن القاص يعرف جيدا ان القصة القصيرة جدا كفن حديث، لها اشكالياتها وتعقيداتها من خلال اشتباكها مع النثري الخطابي والسردي القصصي اي القصة القصيرة بمعنى ان ثمة اشكالية في التجنيس تطال القصة القصيرة جدا وتضعها بين قصيدة النثر من جهة والقصة القصيرة من جهة أخرى، بمعنى ان وعي القاص بهذه الاشكالية هو الذي دفعه الى هذه المصادرة في الاكتشاف والتعرف على هذا النوع الادبي من قبل القارئ، في حين ان نماذج حنون مجيد التي حفلت بها مجموعته القصصية في غالبيتها اشتملت على عناصر القصة القصيرة جدا وتكفلت بتعريف نفسها كقصص قصيرة جدا، تكشف عن الموهبة الكبيرة لدى الكاتب في صنع نماذج قصصية مذهلة.
جرى الاتفاق بين نقاد ومنظري القصة القصيرة على انها تتكون من عناصر تقوم على حركتين أساسيتين حركة داخلية تؤشر الانفعالات النفسية للكاتب وحركة خارجية تؤشر تقنيات القصة او عناصرها الاساسية التي تتكون من المفارقة والحالة والخاتمة، والمفارقة بمعناها البلاغي هي الاشارة الى شيء ما في حين ان مقصدياتها تتجه الى شيء اخر، واما الحالة فتعني الابطاء في حركة التصعيد السردي اي تسكين الحالة تمهيدا الى الخاتمة التي تأتي على نحو مفاجئ وليس نتيجة لسيرورة سردية تحتمل التوقعات، بمعنى انها لحظة خاطفة توصل القارئ الى حدود الادهاش نتيجة لصدماتها اللا متوقعة وهي بذلك اي الخاتمة تكون مفارقة للخاتمة في القصة القصيرة التي ربما تكون مغلقة او مفتوحة او ذات أبعاد ترميزية لكنها مولدة من داخل المتن السردي وقابلة للتوقع وللاحتمالات التأويلية.
في سياق هذه العناصر تكونت نماذج حنون مجيد القصصية وبلغ اغلبها ذروة النجاح في تحقيق لحظتها الادهاشية، وفي هذه المقاربة نتوقف عند أنموذجين منها هما (سؤال عن العمل، وشهادة شارع)، في الأنموذج الاول يجري حوار بين طفلة ورجل (سألتني جارتي الصغيرة عن سر انقطاعي عن تزويدها بمجلة الأطفال، أجبت معتذرا لقد تقلص الطبع وما عادت المجلات تصدر كل شهر، تغيرت سحنة الطفلة وسألت فماذا إذا يفعلون هناك؟)، يتبادر الى الذهن في التمهيد لهذا الأنموذج بان الحديث يجري عن العمل ومفردة العمل تحمل طاقتها الامتداحية ويتم تسكين الحالة عبر تبريرات الرجل لكن المفاجأة تأتي في الخاتمة عبر الاستفهام الاستنكاري الذي يقوض حالة الانزياح لسيرورة الحدث بإحداث المفارقة من خلال اظهار ان الحديث يجري عن البطالة المبطنة وعن الفساد الثقافي في تدمير الطفولة ومنظومتها التربوية، في الأنموذج الثاني يتحدث عن جمود حركة السيارات مع ظهور قائد الخراف ويتم تسكين الحالة عبر شهادة الشارع عامه الخمسين في مثل هذا اليوم تمهيدا للخاتمة المفاجئة ان الانقطاع هذا لم يشاهده الشارع مع  عبور تلاميذ المدارس او عمال البناء او عبور النساء للتسوق. 
في هذه الخاتمة تظهر المفارقة على النحو الآتي ان التمهيد كان يشير الى النظام في حركة السير والى احترام الحيوان لكن الخاتمة تشير الى ان هذا النظام جاء على حساب الفوضى الاجتماعية وان احترام الحيوان جاء على حساب تحقير الانسان وشل فاعليته العلمية والاقتصادية وطابعه الإنتاجي، بمعنى ان هذه النماذج التي حازت على عناصر القصة القصيرة جدا تكفلت بتعريف نفسها مع ترك الخيار للقارئ في اكتشافها واعادة انتاجها تأويليا من دون الحاجة الى وسائط تعريفية تفسد متعة الاكتشاف لديه خصوصا مع وجود نماذج باهرة اشتملتها مجموعة (السنونو) في غالبية نماذجها القصصية.