السياحة الثقافيَّة في العراق .. إهدار التاريخ وفقدان الحاضر

الأحد 24 تشرين أول 2021 497

السياحة الثقافيَّة في العراق .. إهدار التاريخ وفقدان الحاضر
   صفاء ذياب
على الرغم من عدم وجود ثروات في الكثير من البلدان، لاسيما العربية، غير أن هناك ثروة لا تنضب إذا تمكن المواطنون والدولة من الحفاظ عليها، على سبيل المثال، لم تنتعش دولة مثل مصر اقتصادياً إلا في قطاع السياحة الذي استطاعت من خلاله إدخال العملة الصعبة وإسناد اقتصادها والحفاظ على توازنها، والأمر نفسه مع لبنان التي لا تملك ثروات عالية مثل دول أخرى مجاورة، وهو ما أدى لانتعاشها خلال السنوات السابقة، لولا تفجير ميناء بيروت الذي أدى إلى عزوف السياح عن زيارتها والتمتع بها، فجاء الانهيار الاقتصادي الذي ما زالت تعاني منه، وهكذا دول أخرى مثل جورجيا ولاتفيا وأذربيجان وغيرها الكثير من الدول التي تعتمد على السياحة كدخل رئيس في اقتصادها وموازناتها السنوية.
 
هذه الدول لم تجد السياحة لديها جاهزة منذ آلاف السنين، فعلى الرغم من وجود الآثار المعروفة في الجيزة والاقصر بمصر، غير أن الاهتمام بها هو الذي دفع السياح للسفر بالملايين سنوياً للاستمتاع بها، وكذلك قصر موسى وبعلبك في لبنان.
في الوقت نفسه، يمتلك العراق مواطن سياحية تفوق كل ما ذكرناه، إذا عددنا أور وزقورتها، وبابل وجنائنها المعلقة، والأهوار، والمراقد المقدسة، وغابات الموصل، وعقرقوف، ومواطن من الجمال والتاريخ والمتعة ما يصعب تعدادها، غير أننا لا نملك أي سياحة ثقافية، إذا أردنا أن ندخل للعراق موارد اقتصادية جديدة، ومن ثمَّ يتمكّن المواطن العراقي نفسه من السفر والسياحة والتجوّل في مناطق لم يزرها طوال حياته في بلده الذي يعيش فيه.
فكيف يمكننا تنشيط السياحة الثقافية؟ وما الذي علينا تطويره من أجل ذلك؟.
 
توازن ثقافي
يرى الدكتور سراج محمد أنه لا يمكن تحقّق عامل الجذب والاستقطاب إلّا بتوافر أسباب ذلك، وعلى الصعيد العراقي فإنَّ سوق الثقافة لم تزل متمتعة بحضورها ومكانتها المعروفة، غير أنَّ المورد الفكري والمعرفي لوحده ليس كافياً لتحقيق الاهتمام ولفت النظر المناسبين، على أنَّ السياحة الثقافية هي ليست فعلاً مجرداً متعلّقاً بالحركة واستهداف الأمكنة، بل تتخطى مظهر الاستجمام والترفيه إلى منطقة التغذية الراجعة والتبادل المعرفي، ولعل من أوليات ذلك الشروع بالحفاظ على التوازن الثقافي من خلال الأمن المجتمعي الذي يحفظ تغيّرات الثقافة ودرجاتها، ومن ثم تهيئة المحيط الإنساني الداخلي الذي يهتم بصناعة الثقافة وتغذيتها والسعي لتصديرها، وبعدها يجب الالتفات لتوفير البنى التحتية المناسبة الحاضنة لذلك الوعي ومظاهره المختلفة، فوجود المسارح ودور السينما وقاعات العرض والتجمهر والاتحادات والنقابات لا يعكس حالة ثقافية من غير الطاقة البشرية المدركة لأهمية هذه الأمكنة، والعكس صحيح بالضرورة، فلا سياحة ثقافية من غير تلك البنى اللائقة بفعل الثقافة وأثرها، والأمران كلاهما مرتهنان بالفرد المثقّف وبالنظام المعني والحاكم لذلك المساق.
 
أين السياح؟
ويبين صادق الطريحي أنه على الرغم من أنّ العراق بلدٌ سياحيّ، بطبيعته، وآثاره، وأضرحته الدينية، إلا أننا لا نستطيع اليوم أن نعدّه بلداً سياحياً، لأسباب معروفة للجميع، وليست السياحة بالطبيعة والآثار والأضرحة الدينية فقط، بل ثمة الكثير من الجوانب السياحية الثقافية الأخرى، التي من الممكن تنميتها، وجعلها مورداً سياحياً ثقافياً جاذباً، ليس للوافدين من الخارج فقط، ولكن للعراقيين أيضاً، فمثلاً إنَّ كلَّ مدينة عراقية تزخر بنماذج أدبية أو علمية، تركت بصمتها الواضحة، ولكن ممّا يؤسف له أنَّ سكنة مدنهم أنفسهم لا يعرفون عنهم الكثير!، وربَّما ليس السبب في تقصير المدينة نفسها، لكنَّ قلة الوعي السياحيّ لدى الجميع، هو السبب في ذلك، فلو أخذنا مثلاً الشاعر محمد مهدي البصير، فقد أهدت أسرته مقتنياته جميعاً إلى متحف الحلّة المعاصر، وهذه المقتنيات تعطينا فكرة أدبية وتاريخية عن البصير، وعن الحلّة، وعن المدن التي زارها، ولكن كم من المدارس الابتدائية أو الثانوية أو الجامعة أحذت طلبتها، لزيارة المتحف!. 
مضيفاً : ولعلنا نستطيع إحياء بعض الثقافة السياحية من خلال تشييد متاحف للشمع لمن ترك بصمة ما في المدينة، في كلِّ محافظة عراقية، ولا شكَّ في أنَّ النجف تعدُّ المدينة الرائدة في تشييد مثل هذا المتحف! ، ويمكننا إحياء مكتبة آشور بانيبال في نينوى، ورفدها بالمجسمات الجبسية ونماذج من الألواح التي كانت فيها، ومن الممكن أيضاً، أن ننشئ في كل محافظة عراقية قاعة للفن التشكيلي، لبيع اللوحات أو عرضها، ولكن ليس عن طريق بيع اللوحات المقلّدة للفن العالمي.
ويأسف الطريحي لأنّنا ليس لدينا من معامل النسيج ما يمكنها صناعة ملابس عليها علامات الحضارة الرافدينية، ولكن معمل السّجاد أنتج قطعاً صغيرة من السجاد الجميل المتقن تعلّق على الجدران وتمثّل حضارة العراق، ومما يؤسف له أننا لا نعرف أين هي مراكز البيع، أما إذا علمنا مواقعها، فإننا سنجدها ملتزمة بتوقيتات الدوام الرسميّ فقط، مع أنَّ النشاط السياحيّ نشاط مستمر لا يلتزم بالتوقيتات الرسمية.
ونستطيع أيضاً أن نشجّع الموهوبين من الطلبة من المراحل الدراسية كافة، على صناعة نماذج طينية أو معدنية تمثل حضارة بابل مثلاً، ومن الممكن أن تباع في هذه الأماكن الآثارية للسياح الذين كانوا يأتون لبابل زرافات، زرافات، ولكن أين هم السياح الآن لنبيع لهم؟.
 
تنوّع ثقافي
ويؤكد الدكتور سعد التميمي أنه لم تعد الثقافة نشاطاً ريعياً، بل مجال من مجالات السياحة التي تسهم في توفير الموارد الاضافية لميزانية الدولة، من خلال تفعيل السياحة الثقافية التي يمتلك العراق مقوّماتها المتمثّلة بالمتاحف التي يجب زيادة عددها بإنشاء المتاحف الأدبية العامة والخاصة بالمبدعين وتفعيل عمل المجالس والمؤسسات الثقافية، فضلاً عن دمج المواقع الآثارية بالأنشطة الثقافية من خلال إقامة الأنشطة الثقافية فيها، والاهتمام بصناعة الكتاب ودعم دور النشر وإعادة النظر في القوانين التي تحول من دون تصدير الكتاب العراقي، ويضاف إلى ذلك القيام بالترويج للنشاطات الثقافية من خلال الملحقيات الثقافية، ولا ننسى المهرجانات الثقافية (سينما، مسرح، شعر، قصة، رواية، تلفزيون، صحافة) وكذلك معارض الكتب وما يصاحبها من أنشطة ثقافية تجذب السياح الذي يأتون للتعرّف على الإرث الحضاري والثقافي للعراق.
مضيفاً : إنَّ تفعيل السياحة الثقافية يحتاج إلى منهاج سنوي فاعل تحدد فيه النشاطات منذ بداية العام إلى نهايته وتوزع الأنشطة على كل المحافظات لإنعاش السياحة الثقافية فيها، فالعراق غني بإرثه الثقافي والحضاري، ويتحقق جذب أكبر عدد سياح من العالم بدعوة فرق عالمية بجانب الأنشطة المحلية لدمج السياحة الثقافية المحلية بالعالمية لتحقيق التنوع الذي يدر على البلد بالموارد.
 
الإعلام الثقافي
وبحسب الشاعر شلال عنوز، فإنَّ السياحة الثقافية تمثّل إحدى الوسائل المهمّة التي تسهم في دعم الاقتصاد المحلي والوطني؛ عن طريق تفعيل السفرات والتزاور، والاطلاع على المعالم التراثية والدينية في البلاد، وتحقّق حالة من المزاوجة الثقافية لدى الأفراد، كما تسهم في انتقال المعلومة الثقافية، والاطلاع على خصوصية الثقافات بين الأفراد، والمعالم الفكرية والإبداعية للحرف والفنون، ورؤية المكتبات والمعالم الحضارية، فضلاً عن أنَّها تخلق فرص عمل جديدة في هذا المجال الواسع.
ويفصح عنوز أنه من أجل تنشيط هذا الباب السياحي المهم بكل ضروبه الثقافية؛ لابدَّ من دعم وتقوية النشاط الإعلامي في هذا المضمار، الذي يسلط الضوء على الأماكن التراثية والعمرانية في المدن التي لها خصوصية تاريخية عريقة، وأسهمت في الحضارة الإنسانية على مدى العصور، وكذلك في القرى والأرياف التي لها طبيعة جغرافية جاذبة للسياحة، وأن تسهم كلُّ وسائل الإعلام المقروءة والمسموعة في انتهاج سياسة مدروسة، للقيام بحملات دعائية وتعريفية، تشكّل حالة جذب للأفراد لتنظيم زيارات لهذه الأماكن، وطبعاً هذا يتم عن طريق وضع البرامج المدروسة والممنهجة من قبل وزارة الثقافة والسياحة والدوائر التابعة لها والمعنية بهذا النشاط، وأيضاً هي مسؤولية المؤسسات الثقافية للتعريف والإسهام الفاعل في دفع هذا النشاط السياحي المهم نحو الأمام.
 
سلع ثقافيَّة
ويعتقد الفنان والناقد خالد خضير الصالحي أن السياحة الثقافية هي ما تنتهجه مصر، فيشعر السائح أنَّ مصر كلّها؛ شعباً ومؤسسات، تنغمس في التاريخ وفي الثقافة، بدءاً من سائق التاكسي وانتهاءً بالمتاحف والتوجّه الحكومي لتحويل مساكن الشخصيات الثقافية إلى متاحف، وهو ما لا يتوفر في الواقع العراقي، فبدلاً من استثمار العتبات الدينية كأبواب مهمة في السياحة الدينية، نجد الحكومات تدفع من أجل دفع المواطنين لإطعام وإسكان السياح الدينيين مجاناً، ولا ننكر المهمة الدينية الشعبية التي تقع على عاتق المواطنين، غير أن على الدولة أن تفكّر في كيفية جذب الأجانب لزيارة هذه الأماكن الدينية التي تمثل تقاليد وسياقات مهمة يستند إليها الكثير من التفكير الشعبي العراقي.
لهذا يجد الصالحي أنَّ الثقافة يجب أن تحوّل إلى سلعة قابلة للتداول وللتوظيف وهو ما لا نجده عندنا في العراق شعباً ودولةً وقوى فاعلة.