الشعر الصحفي

الاثنين 25 تشرين أول 2021 194

الشعر الصحفي
د. حسين القاصد
 
في الصحافة الثقافية يكون للكاتب رأي في أمرٍ ما، كأن يكون وصفاً للوحة أو كلاماً عن حالة حب، أو خلجات اشتياق، بل حتى بوح في الشكوى؛ وهذا قد اشتهر مطلع القرن العشرين بمقالات أدبية رصينة تحمل من الفنية الشيء الكثير.
أما الشعر فبكل أشكاله لم يتخل عن صبغة الصحفية، فهو - أي الشعر - وإن كان موزوناً مقفى أو موزوناً غير مقفى، أو ينتمي لقصيدة النثر، فقد كان يؤدي الغاية الصحفية على حساب قيمته الشعرية.
لا أعني بالشعر الصحفي ذلك الشعر الذي يحمل خبراً ما، من مثل قول الرصافي:
علم ودستور ومجلس أمة
كلٌّ عن المعنى الصحيح محرَّف
فذلك أمر قد ناقشه كاتب هذه السطور في كتاب (القصيدة الاعلامية في الشعر العراقي الحديث)، بل أعني هنا قصيدة المقال البوحي، وهي مقال واضح المعالم ألبسه كاتبه ثوب القصيدة، ولقد ورد لدى نزار قباني الشيء الكثير من الشعر الصحفي من مثل:
حرب حزيران انتهت..
كأن شيئاً لم يكن
لم تختلف أمامنا الوجوه والعيون
محاكم التفتيش عادت.. والمفتشون
والدونكشوتيون .. ما زالوا يشخصون
والناس من صعوبة البكاء يضحكون
ونحن قانعون..
بالحرب قانعون.. والسلم قانعون
بالحر قانعون.. والبرد قانعون
بالعقم قانعون.. بالنسل قانعون
بكل ما في لوحنا المحفوظ في السماء. قانعون
وكل ما نملك أن نقوله:
« إنا إلى الله لراجعون « …
احترق المسرح من أركانه
ولم يمت - بعد - الممثلون.
وهي قصيدة اذا جردناها من الوزن ورصفنا كلماتها، ستصبح عمود رأي صحفي؛ وقل مثل ذلك عن عشرات القصائد، والفرق بين القصيدة الصحفية والقصيدة الإعلامية هو أن الإعلامية تحمل خبرا تنتفع منه سلطة ما أو جهة سياسية ما، بينما تمتاز القصيدة الصحفية بأنها تطرح رأيا شخصيا، إن كان في السياسة أو في الغرام والحب؛ وكلتاهما (القصيدة الاعلامية والقصيدة الصحفية) تحطان من قيمة الشعر وفنيته. مؤخراً وبعد انتشار وسائل التواصل الاجتماعي، صار استسهال الشعر أمراً لا يطاق، وصار كل من كتب خمسة أسطر تعبر عن رأيه، يسمي ما كتبه قصيدة ويسمي نفسه شاعراً، ومن هذا الباب اجتاح الطارئون حصون الشعر المنيعة مستندين ومسددين بدراسات نقدية أخوانية، تشجعهم وتبشر بهم. هكذا ازدهر الشعر الصحفي وصار له جمهوره ومؤيدوه، وهي ظاهرة خطيرة أضرت وأساءت لفنية الشعر وقيمته. قد لا يتسع هذا المقال لطرح عشرات بل مئات الأمثلة للشعر الصحفي؛ لكن بإمكان القارئ الكريم أن ينطلق من هذا المعيار ويرصد هذا النسق لدى كبار الشعراء ولدى الطارئين الذين استسهلوا الشعر وأراقوا قيمته.