فكرة الحريَّة في السينما الأميركيَّة

الأربعاء 27 تشرين أول 2021 295

فكرة الحريَّة في السينما الأميركيَّة
 د. عبد الخالق حسن
كثيرٌ من الأفلام التي أنتجتها السينما الأميركية اشتغلت في ثيمتها أو أنَّ ثيمتها كانت تتمحور حول فكرة الحرية والانتصار لها. الحرية المقصودة هنا هي من وجهة نظر السينما الأميركية الخاصة بالحقوق الخاصة للتجمعات والنزعات الفكرية، بغض النظر عن تطابق وجهة النظر هذه مع مفهوم الحرية في المجتمعات الأخرى، التي قد تجعل بعض النزعات الفكرية أو السلوكيات الشخصية أموراً محرّمةً تجب عليها العقوبة.
سأتناول هنا مفهوم الحرية والتمرد من خلال المقارنة بين فيلمين أنتجتهما السينما الأميركية، أحدهما يتحدث عن فكرة التمرد والحرية لدى الأولاد الذكور، وهو فيلم (جمعية الشعراء الموتى) الذي أنتج سنة (1989)، وكان بطله الرئيس هو الممثل الراحل (روبن ويليامز) الذي أدى دور المعلم (جون كيتنغ). أما الفيلم الآخر فكان يتحدث عن فكرة التمرد لدى البنات وهو فيلم (ابتسامة الموناليزا)، وكانت بطلته الأساسية (جوليا روبرتس)، التي كانت تجسد شخصية المعلمة (كاثرين آن واتسون).الثيمة الأساسية للفيلمين هي مجيء معلم ومعلمة إلى مدرسة محافظة تتبع التقاليد الصارمة في مناهجها التعليمية، فضلاً عن قواعد السلوك الاجتماعي العام الذي ترسمه للطلاب والطالبات في كلا الفيلمين.
تدور الأحداث في الفيلمين في مرحلة الخمسينيات. فيفلم (جمعية الشعراء الموتى) تقع أحداثه حسب خط السرد سنة 1953. أما فلم (ابتسامة الموناليزا) فتدور أحداثه سنة 1959.
ينتصر الفيلمان لفكرة الحرية والتمرد على القيم، التي تحاول سجن العقول والسلوك فيها. ويتناولان أيضا الصراع بين النزعات الفردية الداخلية التي تؤثر في بناء شخصياتنا وبين محاولات الانفلات من هذه النزعات. فأحياناً نفشل وأحياناً ننجح.
تبدو شخصية المعلم (جون كيتنغ) أكثر دعماً لقضية الحرية من شخصية المعلمة (كاثرين)، لأن المعلم في فيلم (جمعية الشعراء الموتى) يغذي لدى الطلاب مفهوم الحرية من دون التدخل في قراراتهم الشخصية، بعكس (كاثرين) التي تحاول أن تفرض نمط الحرية من وجهة نظرها الشخصية، لذلك اصطدمت بميكانزمات الدفاع الذاتية داخل الفتيات. وهو ما تجسد لاحقاً في اعترافها بالفشل في طريقتها التي حاولت من خلالها جعل الفتيات يتمردن على التقاليد، التي تريد منهن أن يصبحن ربات بيوت ناجحات فقط من دون أن يكون لهن دور في تقرير مصيرهن.
في حين كان المعلم (كيتينغ) يركز على قضية أن يعثر كل طالب على تفرده ونمطه وصوته الخاص من خلال تجربته الشخصية فقط وليس من خلال التلقين. لهذا نجح (كيتنغ) وفشلت (كاثرين)، لأنها كانت تريد إخراج الفتيات من سجونهن الاجتماعية والنفسية والابتعاد عن التقاليد التي يلقنها لهن المجتمع، لكنها في الوقت نفسه كانت تقوم بدور الملقن في سلوك متناقض منها. فما فائدة الخروج من سجن والدخول في سجن آخر؟.
حتى على مستوى تقبل فكرة التمرد. يبدو الأولاد في (جمعية الشعراء الموتى)، أكثر شغفاً من الفتيات في (ابتسامة الموناليزا) نحو مفهوم الحرية وتحقيق النجاح والكفاح والاستمرار في التحدي من أجل الامتع بالاستقلالية. الأمر هنا بطبيعة الحال يعود إلى الطريقة التي سار عليها (كيتنغ) و(كاثرين) في مهمتهما، التي كانت تدور حول قضية اكتشاف النفس وتحقيق الذات. لهذا نجح الأولاد في تحقيق ذواتهم واكتشاف انفسهم كما ينبغي ويجب لأنهم لم يخضعوا لسلطة (كيتنغ) الذي أصلا لم يتعامل بتسلط. في حين ظلت الفتيات مقتنعات بسلوكهن سوى واحدة منهن وهي (بيتي وارن) التي ادت دورها كريستين دانست، والتي كان تمردها بسبب صدمة عاطفية تسببت بها خيانة زوجها لها. بمعنى أن الأمر كان ردة فعل أيضاً وليس اقتناعاً منها.
ما يلفت النظر هنا هو تركيز الفيلمين على مرحلة زمنية واحدة وهي مرحلة الخمسينيات. وكأن قضية الحرية تتعلق بزمن محدد، مع أن الحرية لا تقف عن زمن أو مكان محددين.
فضلاً عن ذلك ينتصر فيلم (جمعية الشعراء الموتى) للرجال ومفهوم الذكورية من خلال فكرة النجاح، التي ترافق الرجال في مسعاهم وحملهم تقاليد الحرية والقدرة على ادارتها، في حين تفشل النساء في (ابتسامة الموناليزا) في إدارة الصراع والقدرة على الانتصار. وهو أمر يخالف تقاليد السينما الأميركية التي لا تتعامل بمنطق (جندري) مع قضية 
الحرية.