سمير صبيح.. في الليلة السابعة

الخميس 28 تشرين أول 2021 449

سمير صبيح..  في الليلة السابعة
باسم عبد الحميد حمودي
 
يسمونها (ليلة الوحشة) وهي ليلة صعبة على البنت (دجلة) وعلى (علي) واخوته الذين فارقوا الحبيب الكبير الذين أحاطهم برعايته في كل سنوات عمره القليلة, وهي ليلة يستذكر فيها أهل سمير وأصدقاؤه ومحبوه محطات حياته السريعة الحافلة بالشعر والحزن والعاطفة.
انتقل الشاعر الرائع المثقل تعباً وهموماً ومحبة للناس الى جوار ربه بعد حياة محفوفة مثقلة بالمتاعب أرادها أنْ تكون سخيَّة لأسرته ومحبيه وعشاق شعره, إذ كان يتنفس القوافي ويعيش محاولاً الفرح (علاوي ابني كبر) لكنَّ همومه كبيرة.
تنفس سمير الطفل الحياة لدى زوجة أب لم تهتم به كثيراً كأولادها ولم تستطع شقيقته الكبرى (أم علي) الاستمرار في رعايته فظل لدى زوجة الأب وهو لا يعلم سوى أنَّ والدته متوفية، وعندما علم بحكم الصدفة أنَّ والدته في مكانٍ آخر وأنها لم تكن ميتة، بل طلقها والده في ساعة غضب ارتجَّ عليه وصمم أنْ يراها في سن الصبا، فأوصلوه إليها وهي تعيشُ في بيئة ريفيَّة في بغداد وقريباً منها احتضنها ليشبع من عواطف أم ضاعت منه زمناً، وبقي معها شهرين عرف فيهما حنان الأم الحقيقيَّة، لكنَّ واقعه الحياتي لم يكن يبيح له الاستمرار فعاد الى بيت والده متحملاً ظرف الحياة الصعب زمن الحصار وشظف العيش، وتطوع بديلاً عن أبيه في الجيش الشعبي ليدرأ عن الوالد غائلة الموت أو الأسر طيلة فترة التطوع القسري.
كان سمير رحمه الله يعملُ نهاراً ويدرسُ مساءً ويؤلف شعراً متأثراً بروحية شاعرين كبيرين هما زامل سعيد فتاح وكاظم الگاطع، وعندما أخذته سنوات الخدمة العسكريَّة التي بلغت ثماني وجد (سمير) في الشعر ملاذاً يتنفس منه:
أنا همومي جهال وترضع دموع
أگضي الليل ألولي وما يهيدون
أغفى بهذا يگعد ذاك ويلوع
شسوي شلون لو كلهم يكبرون
ثم:
أون بسكوت موش بصوت مسموع
وأنا جروحي علج والوادم سنون
كتب الشاعر الراحل دواوين كثيرة اعتاد أنْ يقدم الكثير منها عبر المسموع والمرئي من أساليب الأداء والتوزيع، وله برامج تلفازيَّة شهيرة تعايش معها المشاهدون، فضلاً عن الأداء الإذاعي الذي كان ولا زال يأخذ بالمشاعر والعواطف، لكنه رحمه الله كان عاشقاً للحزن الشفيف، يلوذ به دوماً ويقول حتى وهو يتغزل:
من أول ما بدت لليوم متعوب
حرك دم وصبر وآهات ودموع
وسلب راحة وسهر والنوم مسلوب
وأشوف الكون من يروح مگلوب
أجل يا أبا علي فقد تقلبت دنيا شعرك بنا، وأضحينا نسمعك مشدوهين، وإذا عدنا لنشاهدك عبر الوسائل الحديثة ونسمع هيلك وليلك ودارمياتك ونشاهدك منفعلاً تشدو أسفاً لفقدان صار بغتة وحرم محبيك منك، لكنك ستظل خالداً في قلوبنا ولتكن هذه الليلة الحزينة من ليالي البرزخ سبيلك الى جنة الخلد التي تستحق.