سمير صبيح

الأحد 31 تشرين أول 2021 224

سمير صبيح
حميد المختار 
 
لم أكن أتوقع أنه سيغادر عالمنا بهذه السرعة ويترك كل شيء خلفه؛ قلوب محطمة وأماكن شاغرة لن يملؤها أحدٌ غيره، ومدن فقيرة كالحة تنتظر أوبته من المشاوير الطويلة.
سمير صبيح قامة شعرية مخيفة أرهبت الأعداء وأفرحت قلوب محبيه وزملائه، ملأ الأماكن صداحاً وغناءً وأناشيد، ابن (مدينة الثورة والصدر المباركة) التي أنجبت أسماء وقامات وعلامات، ابن ترابها وملحها، أسمر بسمرة سواعد عمّال البناء والجنود والكادحين في مدننا المتعبة المسلوبة الصامتة الصابرة والمحتسبة، هو صوت هذه المدن ورفيف أجنحتها وعلامة عيشها وتمردها، بدأ مبكراً في السير إلى فراديس الشعر وناطح العمالقة في الشعر الشعبي وأوجد له مكاناً بينهم وهو مازال بعد فتيّاً.
سمير البسمة والطُّرفة والضحكة والكركرات التي ينثرها كما ينثر الحلوى في كل مجالسه ولقاءاته، حيوي، نشيط، محتد وعنيف في قولة الحق والدفاع عن الوطن واحتضان ترابه، التراب والكلمات والنجوم والتحديات هي مفردات قاموسه الشعري ولا يخاف في الوطن لومة لائم، كنت أتوقع أن يموت ميتة الشهداء في الجبهات لأنه وطّن نفسه على ذلك وتهيأ جيداً وجعل من أشعاره أكفاناً وحفر قبوراً لكن ليس له وانما لأعداء الوطن والعملاء الذين يملؤون الزوايا والخبايا والأركان المظلم، سمير يعرف كل ذلك ويعرف أنه سيموت مبكراً لذلك جمع كل الكلمات في كلمة واحدة وكل الصرخات في صرخة واحدة وكل القبلات في قبلة واحدة، كنت أراه في ممرات شبكة الاعلام العراقي مسرعاً لقضاء حاجة أو استقبال ضيف أو ذاهب لمهرجان أو عائد من مهمة صحفية، لا وقت لديه فهو مشغول بحب الشعر والكتابة والتغزل بالعراق والدفاع عنه ضد أعدائه هو حشدي وجندي وفدائي وشاعر المقاومة والمكابدة والعشق، أحببته قبل أن أعرفه شخصياً وازداد حبي له حين عرفته وعرفني لأننا نشترك في حب واحد وهمٍّ واحد وثقافة واحدة. استطاع سمير أن يختصر الطرق بين الأنواع الشعرية وأن يوصل الشعر الشعبي لذائقة النُّخب المثقفة وهي مهمة عسيرة جداً لكنه استطاع ذلك وجعلنا نعشق الكلمات المحكية ونبحث عنها في المهرجانات واللقاءات والأغنيات، أحببت شعره رغم بُعدي النسبي عن الشعر الشعبي اللهم إلّا نادراً في لقاءاتي الخاصة مع أصدقائي الحميمين، لا أريد ذكر كل الأسماء لأنها مهمة وتوَزن بموازين الذهب وكلماتها وهي تنثر الشعر تضيء ليل العراق كله كأنها من جمان أو مصابيح أفلاك تدور حول أرضنا الطيبة، قريبة من قلوبنا وكعبة أرواحنا.
سمير صبيح أبكاني رحيلك أيها العصفور الغرد والمقاتل الشرس والروح المرحة، أيها العراقي الأصيل، سلام عليك وأنت تحب العراق وسلام عليك وأنت تنام تحت ثرى العراق وعيناك مفتوحتان على سمائه وفمك يصدح بأغانيه وعشقه وهيامه، ستظل الأماكن كلها تبحث عنك والكلمات اليتيمة تناجيك في ليل وحشة العراق الذي بكاك وسيبكيك آناء الليل وأطراف النهار.