3 أفلام وثائقيَّة تعالج التهميش والبيئة واللجوء

الاثنين 01 تشرين ثاني 2021 179

3 أفلام وثائقيَّة تعالج التهميش والبيئة واللجوء
  عدنان حسين أحمد
 
أوستروف - جزيرة مفقودة.. 
تعود للحضن الروسي
 يدور فيلم «أوستروف- جزيرة مفقودة» للمخرجة الروسية سفيتلانا رودينا ولوران ستوب حول جزيرة نائية في بحر قزوين يعيش فيها السكان الذين اهملتهم الدولة وتخلت عنهم نهائيا، لكنهم بسبب تعلقهم بهذا المكان يحاولون البقاء على قيد الحياة من خلال صيد الأسماك لكن شرطة خفر السواحل تمنعهم من ذلك وتقاضيهم حتى على صيد سمكة «حفش» واحدة محظور صيدها، ومع ذلك فإن الأب يجازف في كل مرة ويخرج للصيد ليعود بما يسد رمق الاسرة.
لم تكن أوستروف، في حقيقة الأمر، جزيرة مفقودة لكن قادة روسيا بعد انهيار الاتحاد السوفييتي «السابق» سيضعون هذه الجزيرة وأماكن أخرى مهمّشة على رفوف النسيان، ومع ذلك فإن القوانين الروسية تفرض شروطا قاسية على سكّان هذه المناطق المنسيّة، ويحرمونهم من مصدر عيشهم الوحيد.
يُصنّف هذا الفيلم بالوثائقي لكنه يُسرد بنبرة روائية تمنحه أبعادا جديدة لا تكتفي بالتوثيق ولا تُراهن عليه، وشخصية الأب إيفان هي شخصية روائية بامتياز يحضر بقوة من مستهل الفيلم الذي بلغت مدته 92 دقيقة حتى نهايته بفكر ويتأمل ويحاور أفراد أسرته والمقرّبين إليه ويجترح أفكارا قد تبدو غريبة على البيئة المكانية التي يعيش فيها، ويتشبث بها. فرغم شحّ الماء الصالح للشرب، وانعدام التيار الكهربائي، والاستعاضة عنه بما يوفره المولد الكهربائي الذي يتيح لهم مشاهدة التلفاز في بعض المناسبات الوطنية، وخُطب الرئيس بوتين الذي يمحضه إيفان حُبًا من نوع خاص، ويؤمن بآرائه وتوجهاته السياسية التي أعادت الاعتبار لروسيا إثر تفكّك اتحادها العتيد.
 يأخذ الفيلم طابعا سيريا يعكس حب الزوجة لزوجها فهي تريد الانتقال إلى المدينة لتغيير حياة أبنائها، لكن بسبب حبها لزوجها تقبل بالكثير من الخسائر والتنازلات،  وتعيش في قلب المتاهة المائية موفرة أجواءً حميمة للأسرة برمتها.
لا يخلو الفيلم، كما أشرنا تواً، من نبرة سياسية فربّ الأسرة يحب فلاديمير بوتين ويعتقد بأن هذا الرجل قد أوقف روسيا على قدميها لذلك يكتب له رسالة مطولة يطلب فيها تزويد الجزيرة بالماء والكهرباء إضافة إلى منحهم رُخص الصيد لبعض أنواع الأسماك، ولم تصل الرسالة على ما يبدو ولعلها ظلت في الجزيرة لكن ظهور بوتين في برنامج تلفازي يوحي بأن بناء المستشفى في الجزيرة وتقديم بعض الخدمات الإدارية هي أشبه بالرد على الرسالة التي لم تصل.
 
صمت الأمواج.. 
وأصوات الطبيعة
 من بين الأفلام الوثائقية القليلة التي لا تعتمد على الحوار إلاّ ما ندر هو فيلم «صمت الأمواج» للمخرج الهولندي بيتر ريم دو كرون الذي يقدّم لنا وجبة بصرية دسمة لمنطقة بحر وادن الرطبة على الدوام والتي تتعرض إلى مدّ وجزر متواصلين، وتمتد هذه المنطقة من مدينة إسبرج الدنماركية، وتمرّ عبر الأراضي الألمانية وتصل إلى داخل الأراضي الهولندية، وتتغيّر المناظر الطبيعية مرتين في اليوم، في الأقل، على خلفية الماء والسماء والرياح والضوء والضباب، كما يرصد مخرج الفيلم العلاقة الهشة بين الإنسان والطبيعة، فهذه البيئة المائية هي منطقة تكاثر سنوية لـ 12 مليون طائر من مختلف الأنواع والأجناس، البعض منها وخاصة الإوز الرمادي، يتم اصطياده بطريقة متعسفة لكي يتحول إلى لحوم للمائدة الهولندية الدنماركية الألمانية، وبعضها الآخر يهاجر ويعود إلى هذه البيئة البحرية، لا يتوقف الصيد عند حدود الطيور والأسماك وإنما يمتد إلى المحار وكل ما يجود به البحر من كائنات قابلة للأكل، وتتبدى قسوة الإنسان حينما يتخذ من هذه البيئة الغنية بثرواتها المتعددة مكانا لتدريب الطيارين الذين يقودون طائراتهم النفاثة ويضربون أهدافهم الوهمية بالصواريخ ورشقات الرصاص الذي يرعب كل الكائنات الحية التي تعيش في تلك المضارب، وعلى الرغم من هيمنة أصوات الطبيعة مثل خرير الماء، وحفيف الشجر، وزقزقة العصافير، وهديل الطيور فهناك أصوات العربات التي تسير على سكة حديد تمتد في أعماق المتاهة المائية، ثمة علماء ومختصون يرصدون المئات من الكائنات الحية ويدرسونها عن كثب في مختبراتهم العلمية بغية الإمساك ببعض المعلومات الجديدة التي تُثري سجل اكتشافاتهم القديمة، وفضلاً عن ذلك كله فهناك الأصوات البشرية التي تتكلم وتضحك وتبكي، وتصرخ وتقرأ بصوت عال متناغمة مع أصوات المدّ والجزر في ذلك المكان الذي لا يطأه إلاّ القليل من البشر المسكونين بهاجس الطبيعة.
 
كباتن الزعتري.. 
والإمساك بخيوط الحلم
 
على الرغم من السنوات الثماني التي أمضاها المخرج علي العربي مع محمود وفوزي، بطلي فيلمه «كباتن الزعتري» إلاّ أنه اعتمد في خاتمة المطاف على قصة بسيطة متواضعة لكنها لا تخلو من نفحة إنسانية منحت الفيلم أبعادا عميقة تحاكي أحلام الإنسان وتطلعاته بغض النظر عن مكان تواجده، فكيف إذا كان الأمر في مخيم الزعتري للاجئين في الأردن، هذا المكان الذي تضيق مساحته مهما امتدت واتسعت، لقد تعايش المخرج مع محمود داغر، وزميله فوزي رضوان قطيش، وتعرّف على كل همومهم وهواجسهم في هذا المنفى، فهم لاجئون في كل الأحوال بعد أن شرّدهم القصف الوحشي على مدينة درعا السورية ولم يجدوا فضاءً يحتويهم غير الزعتري. يعتمد هذا الفيلم مثل «أوستروف» على التلاقح بين تقنية الوثائقي والروائي لكن الحوار أخذ مساحة سردية واسعة تحرم المتلقي من تأمل الصورة السينمائية وتأثيرها في العين الخبيرة للمتلقي المحترف، لم يكن أمام محمود وفوزي سوى اللعب في ملاعب كرة القدم المتوفرة في الزعتري، ومع ذلك فإنهم يتطلعون لتحقيق أحلامهم الكبيرة بالخروج من هذا الإطار الضيق الذي سرعان ما ينفتح إلى أبعد مدى حينما يصل ممثلون من أكاديمية أسباير إلى مخيم الزعتري بهدف اختيار لاعبين لبطولة دولية، فيقع عليهما الاختيار للمهارات التي يتوفران عليها، ويسافران إلى الدوحة لخوض هذه المباراة الدولية التي تُفرح الأهل والأقارب والأصدقاء، تغوص قصة الفيلم في السيرة الذاتية للصديقين محمود وفوزي، وتكشف لنا عن همومها العاطفية، وعلاقتهما الحميمة مع فتيات من سكّان المخيم نفسه، الأمر الذي يُخرج الفيلم من رتابته السردية، وتهويماته الكلامية التي لا تخدم النص البصري 
كثيرا.