مات عباس

الأربعاء 03 تشرين ثاني 2021 176

 مات عباس
نجم الشيخ داغر
 
كان ايضا يوم جمعة حين تلقيت بشكل مفجع خبر وفاة صديقي وجاري (عباس) وصديق اخي المقرب، وكأن زمني الخاص يجتر آلامه واعاد بحادثة الشاعر الراحل سمير صبيح فتح جرحي مجددا حين سمعت بخبر وفاة سمير بحادث سير مؤسف، فذكرني بنداء (مات عباس).
عباس او ابو عمار كما احب أن اسميه كان كسمير، ذهب ضحية فساد الطرق غير المعبدة بشكل جيد، وفارقت روحه جسده بسبب حادث سير على طريق العزير وهو متجه الى محافظة ميسان. الدموع التي كانت وما زالت تجري على سمير كأنها هي التي ذُرفت على عباس، فالاول جاهد وناضل بكلمته وقلمه الذي لم يبعه باعلى الاثمان وهو قادر على ذلك وأن يستغني بسببه، والثاني كان مجاهدا في شتى مجالات الحياة.
سمير كان يوزع الكنوز من المعنويات بين قلوب المقاتلين الذي سحقوا رؤوس عصابات داعش الارهابية، وينافح عن الشرف والكرامة العراقية اينما وجدت، وعباس كان جنديا وقائدا مقاتلا للارهاب بشكل فعلي، فضلا عن سفره الى محافظات الوسط والجنوب بشكل شهري لتوزيع المعونات بين الاسر الفقيرة والمتعففة.
هذه الاسر التي لم اعلم عنها شيئا إلا حينما رأيتها تأتي الى عزائه وصرخاتها ولطمها صدورها يسير قبلها بموكب جنائزي يدمي القلب.
قاتل الاثنان بشجاعة منقطعة النظير وتنقلا بين مدن العراق من دون وجل او خوف، غير عابئين بكثرة الاعداء والمناوئين، لانهما كانا يمتلكان شجاعة وحسا امنيا كبيرا، ولكن ويا لهذه الخيبة والخذلان، ذهبا ضحية فاسدين خربوا الطرق وسرقوا الاموال المخصصة لتأهيلها واكسائها بالاسفلت، فاغتيلا برصاصة فساد من الخلف ونجح هؤلاء اللصوص بما فشل به اعداء العراق واعداء سمير وعباس.
لم يكن ابو عمار صديقي وجاري وحسب، بل كان ذراعي وعيني التي تحرس اسرتي في غيابي، كما كنت انا له. رحل تاركا رقية الحبيبة في بطن امها واطفالا اربعة اكبرهم كان لا يزال صبيا، والتحق بربه تاركا فينا جرحا يأبى أن يندمل، وكيف؟ وفي كل ركن له موقف او طرفة او حكاية.
وان كان عباس صديقي، فان سميرا صديق جميع العراقيين الشرفاء وصوتهم المدافع عن كبريائهم وحقوقهم المستلبة من اللصوص.
لا انسى مواقفه وصوته الجهوري المدافع عن العراق، ذلك الصوت الذي بسببه منع من دخول دول واماكن كثيرة، ولا انسى حين صدح بقول الحق موجها خطابه للشعب بمعاقبة السياسيين الفاسدين: 
امرك يا شعب فوضته لله
بعد لتخاف طلگها المحاذير
اذا تسكت عليهم حقك يضيع 
مهما يصير لتضيع المناشير
ودكهم يا شعب خلهم يحولون
وينطونك ضعف كل المخاسير
ما يدمي القلب حقا أن من اغتال هذا الصوت الهادر بالحق والوطنية والشجاعة، لص جبان سرق وهو يختبئ خلف مكتبه الاموال المخصصة لتعبيد الطرق الخارجية، هذه الطرق التي باتت كأنها مثرمة صدام التي تحصد بالعراقيين جيئة وذهابا.
ترجل سمير عن فرسه بعد أن بُح صوته وهو يطالب بالاصلاح والوقوف بعزم امام ارهاب داعش وارهاب الفاسدين، وكذلك فعل عباس، تاركين في قلوبنا وقلوب الشرفاء من العراقيين الالم والحسرة، وكيف لا نشعر بذلك ونرى مثل هؤلاء يقتلون ان لم يكن برصاص الارهاب فبرصاص الفاسدين الذين نحلم برؤيتهم خلف القضبان.