البانتومايم.. لغة مطلقة بين الشعوب كالموسيقى مسرح الصوامت.. وعيٌّ ثقافي يقرّب المسافات

الأحد 14 تشرين ثاني 2021 392

البانتومايم.. لغة مطلقة بين الشعوب كالموسيقى مسرح الصوامت.. وعيٌّ ثقافي يقرّب المسافات
 محمد اسماعيل
 تصوير: خالدار قه والي
نظمت فرقة مسرح ديالى، مهرجان «الصوامت» الأول من السبت الى الثلاثاء 6 – 9 تشرين الثاني الحالي، في السليمانية، دورة «محيي الدين زنكنه» تحت شعار (المسرح يقرب المسافات)، توزعت العروض بين قاعتي دائرة الثقافة والفنون وجمعية الفنون الجميلة، وعقدت الندوة الفكريَّة في اتحاد الأدباء والكتاب.. بغداد وفندق دبي والجامعة الأميركية في السليمانيَّة.
أدار جلسة اتحاد الأدباء الدكتور علاء كريم: «الباحث في فعل البانتومايم يقوم بعمل مستقل، مستثمراً مكملات العرض بحركات مدركة».
وأوضح «إذا أردنا أنْ نؤرخ ضمن حقب زمنية فهو بدأ بالتعبير الراقص واستخدام الأقنعة لتجسيد الحركات الحسية، حضارات الشرق عرفت التمثيل الصامت وتطور مقتصراً على الرقص».
وذكر كريم: «فن البانتومايم حرفي يستعرض فيه الممثل مهاراته الأدائية وموجبات تجاوز فاصل اللغة الملفوظة الى الإيماء بين الشعوب.. الممثل يركز على الحركة الصائتة التي تشكل المعنى».
 
الانزياح الدلالي
تضمنت الندوة الفكريَّة، محاضرات عن الانزياح الدلالي في أداء الممثل) للدكتورة فاتن حسين ناجي، و(التصميم الحركي.. الإيمائي.. في المسرح الصامت.. المفهوم والآلية) للدكتور أحمد محمد عبد الأمير، و(فن الأداء التمثيلي.. البوتوه) لمنعم سعيد، و(سيمياء الحركة في المسرح الصامت وعلاقته بنظرية فينر.. هرم الصمت السداسي أنموذجاً) و(ارتحالات في ملكوت الصمت.. مسرحيات صامتة تأليف صباح الأنباري.. أنموذجاً) لبلاسم الضاحي.
قال المحاضر الدكتور أحمد محمد عبد الأمير إنَّ «الحركة الإيمائيَّة على المسرح ليست عشوائيَّة بل يشترط فيها القصديَّة والوعي والجمال والتنظيم والانضباط والتسلسل». وأكد أنَّ «الحركة ليست فقط نقل الجسد من مكان الى آخر، بل جميع الوضعيات والأفعال الحركيَّة حتى فتح وغلق الشبابيك والأبواب إيمائياً».
وأضاف الضاحي أنَّ «البانتومايم هو فن درامي يترجم الفعل الجسدي الى معنى مرئي في قصة أو موقف كوميدي أو هزلي ويقدم كعمل مستقل مستفيداً من التمثيل الإيمائي في تحقيق لغة من الفعل الصامت مستثمراً أدوات الممثل الجسديَّة ومكملات العرض الأخرى في التعبير عن حالة مدركة ومعروفة بدلالاتها لدى المشاهد».
وفي سياق متصل قال الدكتور أحمد محمد عبد الأمير: «تشير أحدث الدراسات الى أنَّ الأداء يعتمد الإيماء بنسبة تسعين في المئة والصوت عشرة، أي أنَّ التطور الحركي أخذ مداه، النشاط الحركي أخذ مداه في الفن». ولفت من جهة أخرى الى أنَّ «البانتومايم يعتمد الفراغ راسماً الأشياء في الفراغ».
وتمنى الدكتور عقيل مهدي يوسف: «مدَّ صلات بين الباحث والمتلقي من أجل فهم فني راقٍ للثقافة»، وبشأن اللغة أبدا حمه سواري، اهتماماً: «الحركة سبقتها لكنها ليست قاصرة ومن خلالها يوصل الفنان طروحاته بمسؤوليَّة لأنَّ الاختبار الأصعب هو الإيماء الصامت».
 
افتتاح
إنطلق المهرجان ابتداءً من الجلسة الفكرية الأولى في اتحاد الأدباء، وتواصلت فعالياته الفنية مع مسرحيات «ضجة» لمعهد فنون السليمانية، و»مي» للفرقة الإيرانيَّة، و»مريض» لتونس، و»سبعة» للأردن، و»عامل نظافة» لبابل، و»صياد» لإيران، و»الحنين» لفرقة منظمة عيون الثقافة في النجف، و»الرسام» ليبيا، و»محطات ساخنة» البصرة، و»الالتحام» ديالى. 
حضر السفير الليبي الصيد علي الصيد، عرض فرقة بلاده الوطنية، مفيداً: بأنَّ «الفن حلقة وصل بين الشعوب، لذا تعد مشاركة فناني ليبيا في فعالية عراقية سمة تواصل حضاري».
نوه السفير الصيد: «يجمعنا تمكين الشباب في البلدين للتواصل، آملين أنْ يتعافى البلدان العراق وليبيا وأنْ ينتشر السلام في أرجاء الأرض كافة».
رحبت عريفة حفل الافتتاح فريشته مصطفى، بالحاضرين.. من عراقيين وأجانب، شاطرها التقديم الإعلامي طه رشيد: «المسرح الصامت نظير للموسيقى كلغة مطلقة بين الشعوب، إنه يعود الى خمسة آلاف عام قبل الميلاد لدى الإغريق».
وبخصوص اختيار مكان إقامة تلك التظاهرة عزا مؤسس ورئيس المهرجان سالم الزيدي، الأمر الى «عشقنا كردستان منذ سنوات وتعلقنا بالسليمانيَّة»، وواصل: «نلتقي في هذا العرس المعرفي الجمالي، الذي يرسم لوحة وطن جميل على صفحة التاريخ».
وتابع أنَّ «البانتومايم يحمل الحقيقة لأنه فعل بديل ذو عواطف فياضة تؤمن بالحقيقة»، وأشار الى أن «محبة كردستان حاضنة لمهرجان يستقصي مشاعر الإنسان بوصفه أغلى ما في الوجود، والمسرح خادم الإنسانية وفضاءات الفكر الجليل».
أكمل المخرج كاظم النصار (من لجنة اختيار العروض): «مهرجان تخصصي يعنى بالبانتومايم وهو معمول به في الثقافات الدوليَّة، اعتمدناه وفق أركانه الأكاديميَّة والإجرائيَّة»، واستعرض أركان المسرح الصامت الخمسة: «المنظومة الحركية والمنظومة الجمالية ومهارات الممثل والرؤية الإخراجية والتقنيات».
شدد رئيس الهيئة الادارية لنقابة الفنانين.. فرع بابل محسن الجيلاوي: «مهرجان محبة، فالصمت تعبير أول سبق الرسوم على الكهوف».
 
عروض
فتاة بزي رجال تنام واقفة فوق مرتفع خشبي.. ستول، يحيطها لهاث غير متعين المصدر، يظهر شاب من حلمها، دلالة التواشج بين الانوثة والذكورة، ضمن مسرحية «فوضى» إعداد ملاك العرض.. تمثيل روه ند أحمد وله نيا جمال ودييه سلام ولارا شانو وروزكار بيستون.. إخراج كوران سركلوبي.
رجحت له نيا جمال: «أديت دور خادمة البيت التي ترقص مع جاكيت الشخصية الثانية، التي حاولت أنْ أشعر المتلقي بوجودها وهي غير مرئية».
استطردت دييا سلام: «الشخصية بالأساس تشتغل حارس تظاهرات». واستفاض روه ند أحمد: «شخصية مخرب لحالات، مشاكس محبوب، حرصت من خلال الأداء على ترجمة المعاني الى حركات».
الى ذلك قال كوران.. مخرج «فوضى»: «أنا راضٍ عن أداء الممثلين، برغم الخطأ التقني الذي أربك تركيزهم». 
رأى فارس الشمري، في «فوضى» أنه: «عرض جميل إلا أنه مطول والفكرة اعتمدت على الممثل، وتحول البنات شتت العمل الى أكثر من جهة».
أعلن أيوب إبراهيم: «قدمت من ليبيا للمشاركة في مهرجان الصوامت بمسرحية الرسام»، مؤكداً أنَّ «العراق بلد حضارات ورقي».
في «الرسام» وقف البطل أمام شاشة بيضاء معتمداً سحر إدخال السينما في المسرح علق عليه الجمهور بكلمة «رتيب» تحرك بعبارة «لا للحرب.. نا بو سه ر» ختاماً للعرض.
وشدَّ الفنان الإيراني ساسان قاجار الجمهور بأداء شخصيتي النسر والأرنب وهما يصطرعان من أجل البقاء: «يقلد البشر الحركات للتفاهم في ما بينهم»، متحدثاً: «هذا المهرجان مهم تمنيته عالمياً كي يشترك فيه التركي الانكليزي والياباني وسواهم.. أفلح في إيصال ثقافات الدول المشاركة».
«السيد عامل النظافة» قدمتها فرقة نقابة الفنانين فرع بابل.. سيناريو وتصميم وتمثيل حسين مالتوس، مجسداً عذابات عامل نظافة فقير يعاني في الحب والحياة.
قدم الفنان وليد الخضراوي، من تونس للمشاركة في المهرجان بمسرحية: «مريض» المأخوذة عن نص الكاتب الايرلندي صاموئيل بيكت، إنتاج المركز الدولي للفنون المعاصرة في القصرين، دارت فكرة العرض حول رجل يحاول الإمساك بإبريق نوم.
كشف الخضراوي: «زرت العراق في العام 2012 ضمن ملاك مسرحية (جواسين) إخراج حافظ خليفة، فوجدت واقعاً فنياً مميزاً عن الدول العربية؛ فعلاقة العراق بالمسرح عضويَّة».
بلياتشو يتكئ ممدداً يهدد بالسبابة وهو يبتسم، ثم تقافز بين الكراسي، متقلباً على الأرض، يرافقه نحيب مجهول المصدر، في العرض الأردني «سبعة» تأليف وإخراج دعاء العدوان، التي تمثل فيها الى جانب سلسبيل أحمد وعمر الضمور وباسل سكر وداليا مومني.
وقدم معهد الفنون الجميلة في البصرة مسرحية «محطات ساخنة» تأليف محمد قاسم عبد وتمثيل علي صباح ياسر وعبد الله تضامن العضب، إخراج د. معيبد خلف راشد.
مسرحية «سي أنا» لفرقة أناتا المسرحية من إيران.. سيناريو وإخراج علي رضا اسماعيل.. تمثيل وريا شاكر وكيا نوسه كريمي وهاديا اسماعيلي ونويد مرتضائي وجمال سلطاني وارينا مفاخري ومحمد توفيقي.
 
إعلام
علق مسؤول الإعلام في المهرجان طه رشيد: «بذلت جهوداً لجلب الأردن وتونس، أما فرقة مسرح الشمس الفرنسية، فتقاطع موعد إقامة (الصوامت) مع ارتباطات مسبقة حالت دون مجيئهم».
معبراً: «شهد المهرجان إقبالاً واسعاً وتفاعلاً منقطع النظير فاق الوصف، وهذا متأتٍ من رهافة المجتمع في السليمانية، المهرجان في دورته الأولى لاقى استحساناً محلياً وعربياً وإقليمياً وأوربياً، وتلقينا تهاني وتبريكات وتشجيع الهيئة العربية للمسرح، واعدين بالتعاون مع الدورات المقبلة من المهرجان».
بينما قال رشيد إنَّ «الميزة التي تجدر الإشارة اليها في هذه التظاهرة الفنية هي التوأمة الإبداعية بين مدينتي السليمانية وديالى، في رسالة مثلى لعبور حاجز الطائفيَّة والقوميَّة والمناطقيَّة والعنصريَّة، يضاف الى ذلك وقوف اتحاد الأدباء موقفاً داعماً ومساهماً في هذا المهرجان، من خلال بيت المسرح الذي يرأسه الدكتور علاء كريم، فاتحاً أبوابه لاستقبال افتتاح المهرجان».
كما قال: «نجح مهرجان الصوامت بتحقيق أهدافه المرجوة، في تقليص المسافات بين المثقفين العراقيين عرباً وكرداً مع نظرائهم العرب والأجانب، في رسالة محبة وتآخٍ وسلامٍ لكل الشعوب، بينما برز دور الشباب واسعاً بوعي راقٍ للمسرح الصامت ورسالته الإيجابيَّة».
آخذ عروضاً لتضمنها حوارات وهو غير مستحب في البانتومايم: «باعتبار الصمت أبلغ من الكلام، فهو موسيقى تكفي للخطاب بين الشعوب من دون حرف واحد».
 
ورشة
نظم الفنان منعم سعيد ورشة لتدريب البانتومايم، في إطار مهرجان الصوامت، في مجموعة من مشاهد اختارها من بين العروض: «أعطيهم تقنيات اداء الممثل الصامت وكيف تتم عملية التكوين، من حيث التقنية وزمن الحركة ونقل مكانها بالاعتماد على الأس الذي نسميه النقطة الفاصلة بين فعل وآخر مثل أس الموسيقيين»، كما بين: «يعتمد العرض الصامت على زوايا شبه هندسية».
 
تحيات
حيا عضو جمعية الفنون الجميلة في السليمانية بهاء الحلبجي المهرجان: «نجح في لم شمل المثقفين من زاخو الى البصرة»، ويعدُّ القاص سعدي عوض الزيدي، كتاباً توثيقياً عن «الصوامت» متحدثاً: «يحمل في متنه نشاطات الدورة الأولى لتحاشي الأخطاء وتعميق الحسنات، في الدورات المقبلة إنْ شاء الله».
 
ختام
ارتقت لجنة التحكيم خشبة القاعة الرئيسة لجمعية الفنون الجميلة في السليمانية: غفور عبد الله وعجمي كمال ود. علاء كريم وعقيل مهدي، برئاسة د. سافرة ناجي التي قرأت البيان الختامي: «أنتم من صنع هذا المهرجان ولولا حضوركم ما كان ليقوم، ويمتد لغة جسد تشغل فضاءً ثقافياً قادراً على خلق فعل جمالي يجعل منه خطاباً وهويةً؛ فعند المسرح ينتهي كل قبح»، مردفة: «أشيد بالحضور النسوي اللافت وظهور الطاقات الشبابيَّة وحسن اختيار العروض».
أوصى التقرير بالحرص على «إخضاع النصوص المشاركة في الدورات المقبلة، لشروط التمثيل الصامت.. البانتومايم، وأنْ تقام كل دورة في محافظة.. سنوياً». قائلة: «فاز «مي» بجائزة النقاد، و«المريض» بجائزة أفضل تقنية، وروانده احمد، أفضل ممثل، وارينا لكو، أفضل ممثلة، وعلي رضا اسماعيل.. أفضل إخراج، وهارا – فوضى» أفضل عرض.