بعد عرضها في كربلاء مسرحيَّة (تحريق) تثير اسئلة حول الواقع العراقي

الخميس 18 تشرين ثاني 2021 314

بعد عرضها في كربلاء مسرحيَّة (تحريق) تثير اسئلة حول الواقع العراقي
 كربلاء: صلاح حسن السيلاوي 
قدمت فرقة كربلاء المسرحية بالتعاون مع المكتبة المركزية في المحافظة مسرحية (تــحــريـــق) العرض الذي حضره جمهور الادب والثقافة على قاعة المكتبة وسط المدينة، كان من تأليف وسينوغرافيا وإخراج الكاتب والفنان علي العبادي وتمثيل أحمد الاسدي وفيد اللامي و علي الفتلاوي على إدارة المسرح. المسرحية أعادت الجمهور الكربلائي الى روحية الجدة والحيوية التي كانت عليها كربلاء قبل جائحة كورونا ومثلت عودة جديدة للأنشطة الفنية في المدينة بعد شبه انقطاعها.
كان العمل يسعى بوضوح الى نقد الواقع لا سيما السياسي منه، وقد استطاع المؤلف أن ينتقل بين رمزية التاريخ وشخوصه ليمد جسورا من الوعي للمتلقي يرسل عليها رسائله التي لم يرد لها ان تكون غريبة او بعيدة عن الواقع ولهذا ارتكز النصّ على موضوع له اهمية تاريخية وعاطفية كبرى هي واقعة الطف، ولكن الكاتب هنا استثمر هذه المرة شخصية الشمر التي جعل منها مرآة للتناقضات فكان الشمر شخصية حاول من خلالها المؤلف أن يثير التساؤلات بحق الواقع العراقي الذي تشابه مع التاريخ وما يحمله من قيم الصراع بين الحق والباطل، المسرحية عبر مخرجها وممثليها وقدرتهم على تقديم كل ما يحيط بهم من ديكور قدمت نقدا حقيقيا لمشكلات الحياة العراقية في تكرار بعض مفاهيم التردي، وكان رفض الموت والعنف واحدا من ركائز العرض  المتوالية عبر وسائل ورسائل متعددة.
النخب الثقافية التي شاهدت المسرحية كانت لها آراء متعددة حولها ومنهم الناقد الدكتور علي حسين يوسف الذي قال: «كانت المسرحية عملا قصديا واعيا ابتغى مؤلفه أن تكون صيحة مدوية تحاول أن تعرّي الواقع السياسي العراقي بعد 2003، وقد أكدت المسرحية على ظاهرة الاستنساخ لقيم الرثاثة واستمرار متوالية الدم الإنساني منذ القدم حتى هذا اليوم بفعل الرغبات الأنانية والأطماع السياسية وغطرسة الايديولوجيات وغياب ثقافة المسؤولية».
أما الدكتور طالب هاشم بدن فتحدث عن شخصيات المسرحية قائلا: «وضع كاتبنا الشخصية الاولى لتعاني العطش الذي ألمّ بها ومن ثم يتنقل ما بين الشخصية الاولى والثانية راسماً حلقة من تبادل الادوار الذي وظفه كاتبنا في آلية مدروسة يراد من خلالها تداخل الصورة الحبكية، حتى تجذرت من هاتين الشخصيتين شخصيات أخر تشظت بشكل دراماتيكي تميز في اللعب والقفزات على حبائل كأنها صنعت من حرير لا ترى بالعين المجردة وتعاود لبس الشخصية الاصلية في تراكيب متميزة، فتارة نجد الشخصية الاولى تعاني الظمأ وسرعان ما تتحول لتكون شخصية الشمر التي عرفت بقساوتها وحقدها على آل بيت الرسول وقطعها الماء عنهم، ومن ثم تتبدل وتنتقل تلك الشخصيات فيما بينها عبر حوارية رسمت بدقة متناهية وكأنها كتبت لتمثل على خشبة المسرح بعرض ينتمي إلى العبث واللامعقول».
كما أبدى الناقد حيدر جمعة العابدي عن العرض رأيا كان مفاده: «منذ اللحظة الاولى يضعنا المؤلف امام سؤال فلسفي وجودي يسعى الى شطر الذات عن الموضوع، ومن ثم اتحادهما ضمن خريطة الصراع الوجودي الأزلي بينهما والتي اختزلت في لونين هما الاحمر والاسود كدلالة رمزية نسقية على شكل المضمر والمعلن من تحولات الواقع المعيش». 
تدور أحداث و مشاهد المسرحية بين شخصيتين امتزج وجودها مع ديكور المسرح لوحة فنية معبرة هما الممثل احمد الاسدي والممثل فيد اللامي اللذان برعا في رسم هذا الانشطار والاتحاد الدلالي عبر حركتهما الاول يقف في حيرة امام اختيار ثيمة اللوحة الخيرة التي ظلت بيضاء طيلة فترة العرض لتتلون باللون الأحمر معلنة انتهاء المسرحية، والثاني يستعيد اسئلة الماضي بلغة الحاضر بتهكم وسخرية لاذعة مع انتقال المؤثرات البصرية كالإضاءة في المسرح بتنفيذ سعد حسين وادارة علي هادي الفتلاوي، إذ كان انتقال الضوء يأخذ شكل حقب متعاقبة بلونين. وهو ما برع المؤلف في توظيفه كتناصات تاريخية لا تزال حاضرة وبقوة في حياتنا اليومية ومخيالنا الشعبي ولحظة مفارقة من تاريخنا المدجج بالحروب وهي معركة الطف الشهيرة لتكون عامل اتحاد واتساق ما بين لونين هما لون الدم والعنف الاحمر، ولون الحزن والعتمة الاسود، في دلالة واضحة على تكرار فاجعة الطف المعروفة وما صاحبها من عنف وقتل واقصاء ظلت نارها مستعرة فينا حتى هذه اللوحة الاخيرة التي تنتهي بلون الدم لكن بأشكال حديثة وأسماء جديدة.