الشِّعرُ والزمن

الخميس 18 تشرين ثاني 2021 240

الشِّعرُ والزمن
طالب عبد العزيز 
 
 من منظور شعريٍّ لا أكثر، تبدو كلُّ نهاية مخيبةً للآمال، بما فيها نهاية الكون، الفكرة المتبناة في الدينية الابراهيمية، إذ ما معنى نهاية المدن والمباني التاريخية والجميلة، وتناثر حطام المتاحف، وتهدم جدران قاعات الفنون، واحتراق أشرطة السينما، واختفاء أقبية ومستودعات النبيذ العملاقة... وغيرها. هناك، فعل يقع خارج دوافع التكوين الاولى، ولا يبدو انسانياً، مثلما لا ينمُّ عن حكمة عند الآلهة الخالقة. ومن منظور شعري آخر، هناك خلل ما في فهم النصوص، ربما.
 من المسلّم به القولُ بأنَّ العقل الانساني، بما أنتج لنا في الفكر والعلوم الاخرى، وعبر متوالية الايام والليالي استطاع تحريك آلة الزمن، بما لا ينسجم مع العقل الديني، التقليدي، فقد عمل على تفكيك المنظومة المغلقة تلك، واللعب بالأخيلة، لتفادي التوقف والجمود، اللذين سادا قرونا طويلة. الزمن في القرن الحالي لا يقع في دائرة أزمنة القرون السابقة، هناك، من يحرّك الوقت في منظور الساعات المنصوبة، بساحات المدن الكبرى، بحسب مشيئته، فهي لم تعد ترصد كمية المُنتج  والوقتَ المضاف على وفق خوارزمية ربِّ العمل، إنما بحسب ما تفترضه وتشترطه الساعات، غير التقليدية، المختبئة في أخيلة صنّاع القرار الكوني. هل نبقى في حدود الشعر؟ لا أعتقد، فمذ سقوط تفاحة نيوتن أفسد المنقلبُ العام أخيلة الشاعر أيضاً.      
 إذ، نحن نحيا زمناً متغيراً، وغريباً، يستعجل النهايات، كلَّ النهايات، بما فيها الاحلام. وواضح أنَّ الزمنَ الحالي بات خارج مقاسات الزمن التقليدي، هناك من يكتب كتابا جديداً في الفيزياء، بمعنى أننا نقع بوهم التقاويم في حساب السنين، فما كان محلوماً به أصبح كائناً، وما ركد في الاخيلة دهوراً، بوصفه غير قابل للتحقق بات في متناول الاطفال، وعلى حواسيبهم الصغيرة، يلهون به في الفائض من أوقاتهم. وهكذا، افسد الزمن الاعتقاد التقليدي السائد بأنَّ معاينة اللوفر يقتضي السفر الى باريس، هذه باريس في دبي، أو هي أمامنا على شاشات لابتوباتنا الزرق.  
 ومن منظور شعري أيضاً، ربما يكون نقّاد الشِّعر قد خضعوا الى عصف الزمن ايضاً، فقد اجتهدوا في توصيف الشعر، لكنهم لم يتوصلوا الى تعريف قاطع له، وهذا الشعر الحديث يربك نقّاده ودارسيه أكثر، ولأنَّ «قصيدة النثر غير معيارية»، بتعبير الناقد والشاعر علي الفواز، وهي «المجال لاكتشاف مهارة الشاعر، في البناء، ومهارة الناقد في الاكتشاف»-والتعبير للفواز ايضاً – فقد حقَّ على الشاعر أن يُشرك نفسه في إيجاد السبيل لتعريف الزمن، بوصفه مهدِّداً للشكل والبناء وقدرة التخييل، ترى كيف سيتصور الشاعر نصوصه في منعطف الفيزياء الخطير، ولعبة الزمن المرعبة، إذا ما قلنا بأنَّ أقسى ما يواجهه الشاعر هو نسيان قصائده بعد موته، وضياع تجربته بين ثنايا تجارب الآخرين، نعم، لأنه المنشد الاول للخلود، وأشد العالَمينَ حرصاً على بقاء ما كتب وأسس له عالقاً في الزمن أو متحركاً فيه..