نداء القبيلة

الثلاثاء 07 كانون أول 2021 185

نداء القبيلة
 كامل عويد العامري
في الجزء الأول من سيرته الذاتية (السمكة في الماء) الذي صدر بالفرنسية 1995 عن دار غاليمار، تناول ماريو فارغاس يوسا فترتين حاسمتين من حياته: فترة طفولته ومراهقته وشبابه؛ ومن ثم، السنوات الثلاث التي قضاها في السفر حول بيرو بين عامي 1987 و1990 كمرشح رئاسي. هذا الكتاب (نداء القبيلة) الذي صدر في شباط 2021، يتناول هذه القصة بطريقة أخرى، فهو يقدم جزءا آخر من سيرته الذاتية. ولكن، على عكس كتابه السابق، الذي كان قائما على سرد وقائعي، يقدم صورة ذاتية فكرية، تهدف إلى فهم أفضل لتطور فكره السياسي.
 
ملقيا الضوء على الكتاب السبعة الذين ميزوا انتقاله من الماركسية الأكثر تشددًا إلى الليبرالية، من خلال تحليل أعمالهم. وهم آدم سميث، وخوسيه أورتيجا وجاسيت، وفريدريك أوغست فون هايك، والسير كارل بوبر، وريموند آرون، والسير أشعيا برلين، وجان فرانسوا ريفيل. كاشفا عن جوانب جديدة لفكر هؤلاء الفلاسفة، فضلا عن المسار الحيوي والفكري للروائي
نفسه.
  لم يكتب هذا الكتاب أبدًا لو لم أيقرأ كتاب «محطة فنلندا» لإدموند ويلسون، منذ أكثر من عشرين عامًا. تروي هذه الدراسة الرائعة تطور الفكرة الاشتراكية منذ اللحظة التي بدأ فيها المؤرخ الفرنسي جول ميتشليت، الذي أثار الاقتباس اهتمامه، وبدأ يتعلم اللغة الإيطالية لقراءة جيامباتيستا فيكو، حتى وصول لينين، في 3 أبريل 1917، إلى محطة فنلندا، في سانت بطرسبرغ، الذي كان سيقود الثورة الروسية. 
ثم فكر بعد ذلك في كتاب عن الليبرالية يشبه ما فعله الناقد الأميركي بشأن الاشتراكية: يقدم تقريرًا، بدءًا من ولادة آدم سميث في قرية كيركالدي الأسكتلندية عام 1723، عن تطور الأفكار الليبرالية من خلال ممثليها الرئيسيين، وكذلك الأحداث التاريخية والاجتماعية التي انتشرت في جميع أنحاء العالم. كل الأشياء التي تم أخذها في الاعتبار، هذا هو الأصل البعيد لنداء
القبيلة.
على الرغم من المظاهر، هذا كتاب عن سيرته الذاتية يتتبع تاريخه الفكري والسياسي، الرحلة التي قادته من الماركسية ووجودية سارتر في شبابه إلى الليبرالية، عبر إعادة تقييم الديمقراطية التي يدين بها لقراءته لكتّاب. مثل ألبير كامو وجورج أورويل وآرثر كويستلر. ثم دفعته بعد ذلك تجارب سياسية معينة نحو الليبرالية، وقبل كل شيء، أفكار المؤلفين السبعة الذين خصص لهم هذه الصفحات: 
اكتشف السياسة في بيرو في سن الثانية عشرة، في أكتوبر 1948، أثناء الانقلاب العسكري للجنرال مانويل أبوليناريو أودريا، وخلال الثماني سنوات من نظام أودريا، ولدت في نفسه كراهية الطغاة، فالتحق عام 1953في سان ماركوس، الجامعة العامة، الشعبية والمقاومة للديكتاتورية العسكرية، وفيها أنظم للحزب الشيوعي وبعد أن سجن وقمع أو نفي قادته؛ حاول الحزب إعادة بناء نفسه مع مجموعة «كاويد»، وكان فيها نشطًا لمدة عام. وهنا تلقى دروسه الأولى في الماركسية، في مجموعات سرية حيث قرأ وناقش الواقعية الاشتراكية واليسارية، و»مرض الطفولة
الشيوعية». 
كان، إيمانه بالمادية التاريخية وبالصراع الطبقي من دون التمسك بالمادية الديالكتيكية، لكنه ينأى بنفسه عن مجموعة Cahuide  في نهاية عام 1954 ويبقى اشتراكيًا، على الأقل في قراءاته، في تلك السنوات، لجورج لوكاش وأنطونيو غرامشي ولوسيان جولدمان وفرانتز فانون وريجيس دوبريه وتشي جيفارا وحتى لوي ألتوسير الأرثوذكسي
 المتطرف. 
في تشرين الثاني (نوفمبر) 1962، عندما اندلعت أزمة الصواريخ الكوبية. اضطر لتغطية الأخبار، فوصل إلى هافانا على متن الطائرة الكوبية الأخيرة التي اقلعت من مكسيكو سيتي قبل الحصار. كانت هناك تعبئة عامة في كوبا خوفًا من إنزال وشيك للقوات الأميركية، هناك شيء يذكره بعاطفة وحماس شعب حر متفائل كما وصفه أورويل في كتابه «تحية لكاتالونيا» عندما وصل إلى برشلونة كمتطوع في بداية الحرب الأهلية
 الإسبانية. 
وهكذا انتقل إلى صميم ما بدا له أنه تجسيد للاشتراكية في الحرية، ووجد نفسه وسط العديد من الكتاب الكوبيين. 
  لكن رحلته إلى الاتحاد السوفياتي في عام 1968، عندما دعي لإحياء ذكرى بوشكين، تركت طعمًا سيئًا في فمه لأنه اكتشف: «لو كنت روسيًا، لكنت منشقًا» بمعنى آخر منبوذا أو سأتفسخ في سجون الغولاغ. لم يكن أقل من صدمة بالنسبة لي. أقنعني سارتر وسيمون دي بوفوار وميرلو بونتي ومجلة الأزمنة الحديثة أنه على الرغم من كل ما هو خطأ في الاتحاد السوفيتي، فإن هذا البلد يمثل التقدم والمستقبل، والوطن كما قال بول إيلوار في قصيدة حفظتها عن ظهر قلب، «لا عاهرات ولا لصوص ولا كهنة» كان هناك فقر وسكارى ملقون في الشارع ولامبالاة. في كل مكان، كان هناك رهاب جماعي من الأماكن المغلقة بسبب نقص المعلومات... كان يكفي أن ننظر حولنا لنعلم أنه على الرغم من اختفاء الفروق الطبقية، كانت التفاوتات هائلة... سألت روسيًا، «من هم الأكثر امتيازًا هنا؟ قال: الكتاب تحت الطلب. لديهم بيوت ريفية لقضاء إجازاتهم ويمكنهم السفر إلى الخارج. 
هذه المكانة وضعتهم أعلى بكثير من الرجال والنساء العاديين. ما الذي يمكن أن تطلبه أكثر من ذلك!»!، هل يمكنني الدفاع عن هذا الأنموذج من المجتمع، كما فعلت سابقًا، وأنا أعلم الآن أنه سيكون غير قابل للعيش بالنسبة لي؟، «لكن كتابات سارتر بالذات أصابته بخيبة أمل كبيرة عندما قال في مقابلة في لوموند، إنه فهم أن الكتاب الأفارقة يتخلون عن الكتابة من أجل القيام بالثورة أولاً وإنشاء بلد يكون فيه الأدب ممكنًا». كيف يمكنه أن يقول ذلك «الرجل الذي جعلنا نعتقد أن الكتابة هي شكل من أشكال العمل، وأن الكلمات كانت فعلا، وأن الكتابة أثرت في التاريخ؟» في ذلك الوقت، أعاد قراءة كامو واتفق معه، مدركًا أن خلافه الشهير مع سارتر بشأن معسكرات الاعتقال في الاتحاد السوفياتي، كان فيه على
حق.
كانت قطيعته مع كوبا، وإلى حد ما، مع الاشتراكية تعود إلى قضية باديلا الشهيرة (والتي كادت أن تُنسى الآن). بدأ الشاعر هيبرتو باديلا، الذي شارك في الثورة الكوبية - وأصبح وزيرًا للتجارة الخارجية - بتوجيه بعض الانتقادات لسياسة النظام الثقافية في عام 1970. فهاجمته الصحافة الرسمية أولاً، ثم سُجن بتهمة مجنونة كونه عميلاً لوكالة المخابرات المركزية. «فكتبنا بغضب نحن خمسة أصدقاء عرفوه - خوان ولويس جويتيسولو، وهانس ماغنوس إنزينسبرغر وأنا - رسالة احتجاج، ووقعها كتاب من أنحاء العالم، مثل سارتر وسيمون. دي بوفوار وسوزان سونتاج وألبرتو مورافيا وكارلوس فوينتيس على هذه الإهانة. رد فيدل كاسترو شخصيًا، متهمًا إيانا بخدمة الإمبريالية، وقال إننا لن تطأ أقدامنا كوبا مرة أخرى “لفترة غير محددة».
 وعلى الرغم من الحملة التي تعرض لها بسبب هذا البيان، فقد أراحته من عبء ثقيل: «ومع ذلك، فقد استغرق الأمر مني بضع سنوات للانفصال عن الاشتراكية وإعادة تقييم الديمقراطية. لقد كانت فترة عدم يقين ومراجعة أدركت فيها تدريجيًا أن «الحريات الشكلية» لما يسمى بالديمقراطية البرجوازية لم تكن مجرد مظهر يخفي وراءه استغلال الأغنياء للفقراء، بل الحد الفاصل بين حقوق الإنسان. وحرية التعبير والتنوع السياسي، ونظام سلطوي وقمعي.. وعلى الرغم من كل عيوبها، والتي كانت كثيرة، فقد استبدلت الديمقراطية على الأقل التعسف بالقانون وسمحت بانتخابات حرة ووجود أحزاب ونقابات عمالية مستقلة عن الحكومة».
  قبل كل شيء، كان اختيار الليبرالية يمثل عملية فكرية لعدة سنوات، اسهمت فيه حقيقة الإقامة في إنجلترا، منذ نهاية الستينيات، كمدرس في جامعة لندن، حيث عاش عن قرب مع حكومة مارغريت تاتشر أحد عشر عامًا: «التي كانت تشبه إلى حد كبير رونالد ريغان. عندما وصلت إلى السلطة في عام 1979، شرعت بإصلاحات رافقها دفاع عن الثقافة الديمقراطية، والتأكيد على التفوق الأخلاقي والمادي للديمقراطية الليبرالية على الاشتراكية الاستبدادية والفاسدة»، تزامنت هذه السياسة مع السياسة التي كان الرئيس ريغان ينتهجها في الولايات المتحدة، «ففي الوقت الذي كان فيه ريغان مُبشِّراً استثنائياً للنظريات الليبرالية، التي ربما كان يعرفها بطريقة عامة إلى حد ما، كانت السيدة تاتشر أكثر دقة. 
لم تكن لديها أي مخاوف بشأن قولها إنها استشارت فريدريش فون هايك وقرأت كارل بوبر، الذي اعتبره أعظم فيلسوف معاصر للحرية. لقد قرأتهما في تلك السنوات، ومنذ ذلك الحين أصبح «الطريق إلى العبودية» و «المجتمع المفتوح» كتبي بجانب سريري... كل ذلك ساعداني على أن أصبح
ليبراليًا».