محمود عبد الوهاب

الثلاثاء 07 كانون أول 2021 561

محمود عبد الوهاب
 علي محمود خضير
معطف بلون الحناء الداكنة، قبعة تضارع طائر القطا تظلل الرأس، وقميص بسحنة الصحراء. وخلف نظارة مستطيلة تتحفز عينان رحيمتان، حذرتان، تشعان فطنة وشفقة. وجه قريب مثل موجة، أليف مثل رائحة الأمس، تذكرك خطوطه المتقاطعة بقصة بورخس حين يستحيل العالم وجهاً.
 
هل كانت بيده اليمنى عصا؟ أم ذراع ثالثة يجس بها عروق الشوارع؟ هل كان يطوي جريدةً تحت ذراعه، أم كتاب مصائرنا الضائعة؟ هكذا كنتُ أرى الشيخ الأنيق ينعطف من إحدى الفروع الضيقة لمحلة البجاري ليتخذ مقعده في مقهى الأدباء بالعشّار مثل حارس أسطوري على باب المدينة.
لم يكن محمود عبد الوهاب بالنسبة لنا، مَن كنّا نَقطعُ على الطريق خطواته الأولى، كاتباً رائداً، مثلما لم يكن شخصاً واحداً، بل مجموعة من المفاهيم والخلاصات، وإذا كان للدرس النقديّ رأي في خصوصيّة تجربته وإضافته للسرد العراقيّ المعاصر، فإن هذه المقالة تتحرى شؤوناً أخرى خارج حدود الدرس الفنيّ داخل حدود الحياة.
 شكل صاحب «سيرة بحجم الكف» - فيما قيّض لي من سني معاصرته-  حالة خاصّة يشتركُ فيها العامل الأدبي مع الاجتماعي على نحو بالغ الفرادة. فالرجل الذي تطوّف أرجاء العالم وخبر من الدنيا حتى كلَّت القدم وشاخ الحُلم، واتسعت قراءاته، وتنوّعت كتاباته، كان يعبّدُ الطريق نحوه بالابتسامة، باقتراح الصداقة لا الأبوة المفروضة، بالحوار المتكافئ والشغف بالمعرفة وليس بما يحيط به نجوم الأدب عادةً من جدران طلباً لكاريزما الشهرة الجوفاء، معتمداً في ذلك على بصيرة نادرة، وسريرة متطامنة، مكنته لفظَ أوهام الأضواء إلى ظلال الحقيقة الأدبية.
أوّل الدروس التي تلقيتها منه كان تحطيم القواعد الثقافيّة السائدة، تلك التي كانت ولا تزال تنتشرُ بفعل الشائعة، والترديد «الببغائي» لمقولات جاهزة أغلبها مستورد. فبينما كُنا نتلقفُ بحماس نظريات «قصيدة النثر» و «ما بعد الحداثة» و»تفجير اللغة» وغيرها عَبر مقالات مترجمة، ملتبسة، وتصريحات تغذّيها نبرة اقصائيّة، رافعين البيارق من دون تدبّر، كان الشيخ الصديق يحرّضنا بالإشارة اللماحة على ايجاد شكل ومضمون لنصنا يأتي عبر فهم لغتنا وموروثنا لا بالقطيعة معه. فهمتُ وقتها، بعد تلك الإشارات «المحمودة»، أن لغةً لا تَفهم ماضيها، ولا تَهضم ما حقّقته من قبل، لن تستطيع، بالضرورة، إحداث خرق تجديديّ فيها. ذلك أن للغد حبلاً سريّاً مع الأمس، من دونه، تُخذل الولادة ويموت الوعد.
لم تقتصر إشارات عبد الوهاب على القواعد النظرية، بل تعدتها إلى الجانب السلوكي التربوي، بالإيحاء والايماء، وبأقل قدر من الكلمات، اعتماداً منه على فطنة المقابل. هو ممن يعتقد أن الانضباط على المستوى الشخصيّ يستجلبُ انضباطاً موازياً داخل النص. هذا التصالح الجاد والمنسجم بين ذات الكاتب السرّيّة وتمظهرها الخارجي تجلى لي، في هيئة نقده المستمر لتجربته الحياتية والأدبيّة بكل صراحة وموضوعيّة، وكان ذلك من أعظم الدروس. «لقد أخطأتُ حين وهبت حياتي كلها للأدب والعمل ولم أؤسس بيتاً وأتخذ زوجة، إن الوحدة تهدمني بلا
رحمة».
كان معلِّماً في حياته الأدبيّة كما كان في قاعات الدرس والإشراف التربوي ومحرومٌ من لم يجد له معلماً في طريق لا صوى فيه ولا علامة. «ماذا يعني أن تكتب أعظم نص إن خسرت كونك إنساناً»، هكذا يستطيع القارئُ الحاذقُ، بالخبرة والتجربة، أن يشمَ فساد نص يخفي وراءه كاتباً رديء السريرة. كأن للكلمات برهاناً خارج سلطة القراءة والكتابة.
*
لطالما خطفتني قدرته على تحويل الحدث العابر إلى فكرة مشرعة على التأمّل والتداول، فاتحاً عبرها نوافذ متشعبة تنتقل من الأدب إلى الفكر وليس انتهاءً بالموروث والحمولة الشفاهية، بحديث لا يمل وحجة لا تضعف يكلل ذلك كله، أريحية مشبوبة بوقار لا تكلف فيه. فيما ظلت ملكة استخلاص الجوهر الشعريّ من كل ما يحيطه مثار حسد ودهشة. «أحلم بديوان من قصيدة واحدة طويلة، إن أعظم اختبار لشاعر أن يكتب قصيدة تستغرق ديواناً». وبقدر ما كان سارداً استثنائياً، فقد عاش محمود شاعراً بالقدر الذي كانت حياته قصيدة لا تكتب ولا تقال إلّا بالصمت.
*
إن نقد التجربة الأدبية ذاتياً، بعين معافاة من الوهم، سجية لطالما جعلت عبد الوهاب بمنأى عن اشتراك تجربته مع المألوف اجمالاً، وقد ذهب فيها مذهباً بعيداً حتى اكتفى ببضعة عناوين من عمر طويل وتجربة حافلة. «لا يهمني عدد الكتب التي سأترك، قصة واحدة تكفل الخلود، شرط الوفاء بوعود الفن».
*
إنني أفتقد ذلك المحيا الرؤوم وهو يقطع متمهلاً الطريق ذاهباً إلى مكتبة «القبّة» أو آيباً لشقته في المنّاوي، أفتقد سهامه اللافحة، ضحكاته وأناقته، وأشتاق الحقيقة ممزوجة بالشك في مداولاته، مثلما أحنُّ لليد المشيرة والكلمة الدليل. وإذ تضم رملة في الزبير جسد معلمي في صمت أبدي فإن معانيه الفريدة المبثوثة فيمن عاصروه تظل تدفع النبض في عروق الأيام. 
وإن طال السفر، فالنجمة ضمان على شمس العودة.