لماذا يجب أن يعود التَّساؤل من جديد في كلِّ مرَّة؟

الخميس 09 كانون أول 2021 492

لماذا يجب أن يعود التَّساؤل من جديد  في كلِّ مرَّة؟
 محمدحسين الرفاعي
 
[I] 
كنتُ، قَبلَ أكثر من عامين، أضع تساؤلات إشكاليَّة هنا، من أجل أن نعيد معاً بناء التَّساؤل بشأن الموضوعات الراهنة في الواقع المجتمعيّ، في بلداننا العربيَّة بعامَّةٍ، وفي بلدنا بخاصَّةٍ. أعود من أجل أن أطرح التَّساؤل عن أهمية، وضرورة التَّساؤل مرةً أخرى: لماذا، وضمن أيَّةِ شروط مجتمعيَّة- في المعنى الواسع الذي من شأن البُنى المجتمعيَّة- يتوقف التَّساؤل، ويُحجب؟ ولماذا ثَمَّةَ حاجة دائمة لكي نتخطَّى تلك التَّساؤلات التي تذهب بنا إلى البؤرة الأكثر توتراً وألماً: أي التَّساؤلات التي تتعلَّق بمصيرنا كهذه الكائنات التي تريد أن تكون على نحو أفضل في كل الأحايين؟. 
 
[II]
ضمن ضرب من ضروب العمل الإعلامي، والصحفي، يُفهم المقال الصحفي على أنَّه رسالةٌ عاديَّةٌ إلى المعرفة العاديَّة، بها، ومنها، إلى الرجل العادي. وبهذا الضرب، بتعيُّنٍ سلطوي صريح من قِبَلِ وسائل العادية، يُمارس تمييزًا واضحاً بين الرجل العادي، والرجل الذي يفكِّر- المفكر أو الفيلسوف أو الباحث أو العالِم أو أياً كان. إنَّه يريد أن يتميَّز. ولا يجد أكثر سهولة من هذا الذي يجعله في موقع أعلى من معرفة الرجل العادي. 
 
[III]
لكن أثمَّةَ مقوِّمات مُحكمة واضحة للفصل بين العادي- والعلمي أو الفلسفي أو الفكري أو البحثي أو التخصُّصي- في المعنى الصارم لمفهوم الفصل هذا؟ لقد صارت المعرفة واحدة؛ إنَّها بعد الثورة السايبرانية لا تريد أن تُفهم إلّا بوصفها تخترق ضروب التمييز بين المعرفة العادية والمعرفة الفلسفيَّة والعلمية بالمجتمع والإنسان العميقة. هل يمكن، والحال هذه، أن نقول، وفقاً للمثال لا الحصر، أنني مثلاً عليَّ أن أفكر وأكتب وأفهم وأعي وأتساءَل عن الموضوعات كما يفكر ويكتب ويفهم ويعي ويتساءل الرجل العادي؟، أساساً لا ثَمَّةَ معرفة عادية يمكن أن نميِّزها على نحو صريح في عصر الثورة السايبرانية. إنَّنا وسط معرفة عالَميَّة تتوسع وتتخلل كل ضروب إمكان، وكل شروط الفهم والوعي والتفكير؛ في كُلِّيَّة وجودنا، وفي كل حقول
وجودنا. 
 
[IV]
إنني أتساءَل ثانيةً: ما الذي يجعل من القول بأن المقال الصحفي يجب أن يكون قريباً للرجل العادي قولاً مسوِّغاً لذاته؟ ومن أين هو يستمد كل هذه القوة، حتَّى بعد ذلك يجعل من نزوله إلى مستوى المعرفة العادية، ضرباً من ضروب التنازل عن الفكر العظيم، والفلسفة المحلِّقة نحو الأعلى، والتفكير المتخصِّص الذي يريد أن يتميَّزَ عن الشعب؟. 
 
[V]
إنَّه ضربٌ من ضروب التحديد السلطوي للفكر؛ الذي يفضي، على هذا النحو أو ذاك، إلى وضع الرجل العادي في موقعه وعدم فسح المجال له لكي يأتي إلى هذا الأعلى، وهذا العظيم، وهذا التخصُّص. لقد صارت المعرفة عالَميَّة فقط لأنها تجاوزت ضروب إمكان التمييز بين إنسان عادي، وإنسان آخر. 
 
[VI]
إنني أعي تماماً الاِختلاف بين المتخصص العالِم الفيلسوف المفكر، وبين مَن يقع في مستوى المعرفة اليوميَّة؛ لكني لا أجد مبرِّراً لكل هذا التمييز. وإذا كان للمقال الصحفي معنىً ومبرر وجودٍ وخصوصيَّة ما، فإنَّ ذلك يتمثَّل في أنَّه يريد أن يصل لكي يُفهم ويجعل من إعادة بناء التَّساؤل عن الموضوعات الراهنة أمراً مشروعاً بل ضروري. 
إنَّ التَّساؤل يضطلع بهذه المهمة التي في جذرها هي تبني إشكالاً، وإشكاليةً في كل مرَّةٍ. وإنه من الطبيعي أن يُحجب التَّساؤل في كلِّ مرة، ومن جديد، من قِبَلِ التسلُّط؛ لأنَّ هذا الأخير مأخوذٌ، في جذره، بالإجابة الجاهزة. 
 
[VII]
لقد كنتُ في حقيقة وبها ولها ومن أجل ذاك الأفضل الذي نريد أن نكونه، نحن، أي جيل التَّساؤل وإعادة بنائه في كلِّ مرة، لا من أجل نفسي؛ بل من أجل أولئك الذين قالوا لا لكل هذه الإجابات الجاهزة التي لم تفضِ إلى أي بناءٍ وخلق وصنع. لقد كانت
 شائعات. 
 
[VIII]
في ذلك، وعليه، قام التَّساؤل، وهو يستمر بالقيام فقط لأنه قد وجد، مرةً أخرى، من ينظر إليه من منظار فلسفةٍ تقول ذاتَها شعرًا. إنَّه منظار ذاك الأصليّ الذي قد عثر، في التَّفكير الفلسفي على نحو شاعري، على الحقيقةِ بوصفها حقيقةً في كلِّ مرة. لهذا، ولهذا في المعنى الحقِّ، على التَّساؤل ألّا يتوقف عند توقيفه بوصفه قد
كان.