امرأةٌ واحدةٌ.. أَمْ ثلاثُ نساء؟

الأربعاء 05 كانون ثاني 2022 226

امرأةٌ واحدةٌ.. أَمْ ثلاثُ نساء؟
 رضا المحمداوي
منذ المشهد الاستهلالي لمسرحية (أنا وجهي) تضعنا مؤلفتها ومخرجتها: عواطف نعيم بمواجهة شخصيتها الرئيسة الممثلة شذى سالم والتي بدتْ لنا من خلال ثلاث وقفات تعبيرية وكأنها أُصيبتْ بالخرس أو فقدت القدرة على النطق والتعبير، وبصعوبة وبالكاد تنطق كلمة: أين؟ 
 
تلك الكلمة التي ستكون دليل التساؤل الاوّل الذي سيقودنا لمعرفة مأزق هذه الشخصية والتي تجسّدُ حياة ممثلة مسرحية سابقة وقد انحسرت الأضواء عنها وحاصرها النسيان وماعادتْ تعرف حتى عن ماذا تسأل، ويجيء الجواب من المرأة المُقعدة على الكرسي المتحرك الممثلة سمر محمد والتي تشاركها حياتها وتعرف تفاصيلها، إنه السؤال العقيم الذي تطرقهُ تلك الذاكرة المنطفئة لتطوف تلك الممثلة المُهمَلة بصاحبة الكرسي المتحرك في فضاء المسرح وهي تصرخ: زهايمر... زهايمر... زهايمر... 
إذن المسرحية رحلة بحث عن الذات الإنسانية الضائعة بين تلك (الذوات) المسرحية والتي سبق لتلك الممثلة أنْ تقمصتها وتلبَّستْ روحها وارتدتْ قناع الشخصيات المتعددة والمتنوعة حتى ضاع وجهها بين تلك الأقنعة المتبدلة واختفتْ ملامحه وأصبحتْ تشعر بالاغتراب عن نفسها وما عادتْ تعرف مَنْ هي ..؟، ومَنْ تكون..؟، ولا تعرف أين اختفى ذلك الوجه وتلك الملامح؟ ذلك الوجه الذي يمثّل لنا هنا الذات الإنسانية نفسها؟
وستأخذنا تلك الشخصية المرتبكة معها في رحلة البحث عن ذاتها الضائعة وشخصيتها الغاطسة في بحر من النسيان. وفي ظل حيرتها وارتباكها واهتزاز قناعتها في ذلك البحر تنبثق الشخصية القرينة بها، بل والمنشطرة عنها الممثلة شيماء جعفر والتي تجسّدُ بالنسبة لنا الوجه الآخر لها وتحمل معها بقايا من تلك الذاكرة المضطربة التي تعجُّ بالشخصيات والوجوه والأقنعة، وتشاطرها كذلك خزانة الأزياء والملابس المسرحية التي توزعتْ على جانبي المسرح (العلبة).
وهذه الشخصية المتولدة والطالعة علينا من الفراغ الذي يحيط بموجودات الغرفة ومكوناتها الهامشية المتراكمة، ظهرتْ على النقيض من سمات الشخصية الأصلية الأولى فقد بدتْ لنا متوترةً وشرسةً، لكنها من جانب آخر لمْ تكشفْ لنا خفايا تلك الشخصية الأصلية وأسرارها وحياتها السابقة بما يضيء ظلمة تلك الذاكرة الغامضة وحلكتها المحيرة أو يفصح عن حكايتها وقصتها أو يوصل في النتيجة الأخيرة رسالة المسرحية ومضمونها الانساني.
وقد تجسَّد لنا واحداً من من مظاهر تهميش هذه الشخصية ومجهوليتها من خلال عدم وجود اسم لها أو لقب فني يطلق عليها أو صفة مميزة يمكن التعريف بها، وقد انسحب هذا الأمر على المرأة المُقعَدة وبدرجة أقل على الشخصية المنشطرة.
لقد توَحّدَتْ هؤلاء النساء الثلاث بالزي الأسوَد المُوَحّد الذي ارتدينه جميعاً وكأنها إشارة سيمائية للتشابه أو للتقارب فيما بينهن من حيث الشخصية والملامح والمزاج العام والوظيفة الدرامية
على المسرح.
وإذا كانت المسرحية تقوم أساساً على شخصية الممثلة المصابة باضطراب الذاكرة وقرينتها المنشطرة عنها، فإن المرأة المُقعَدة بقيَتْ على الهامش في أطراف المسرح ولمْ تدخلْ مع الاثنتين في عالم الكشف والتبيان والتفاعل والاحتدام، وكان بإمكان هذه الشخصية وبوجود الممثلة القديرة سمر محمد أن تكون أكثر حضوراً وبفاعلية أكبر مما ظَهَرَتْ بها على
خشبة المسرح. 
ومن خلال جملة حوارية مركزية تكرَّرَتْ مراراً تقول (نحنُ نعرفُ مَنْ نكون الآن لكننا لا نعرفُ ما يمكنُ أن نصبح عليه) تقلبُ المؤلفة- المخرجة. 
أفق التوقع للبناء الدرامي لمسرحيتها برُمّتهِا بإيجاد الحل للشخصية الرئيسة المأزومة في مأزقها الحياتي الذي تمرُّ به من خلال تذكّرها واستحضار صبر الأمهات الثكالى والنساء الأرامل لشهداء انتفاضة تشرين الجماهيرية، وقد جاء هذا الحل مُقحَمَاً على بناء المسرحية وملتصقاً بها من الخارج وأقرب ما يكون إلى طريقة عرض الصور الفوتوغرافية المعروضة على الشاشة الخلفية المُثّبتة في عمق المسرح.
وكان يمكن لهذا الحل بوصفهِ فكرةً ومن ثم البناء على أساسها أن يكون وارداً في احتمالات المسرحية وتوقعاتها  بواسطة إنبات تلك الفكرة داخل المتن الحكائي للمسرحية والتوكيد عليها، وسأمضي أنا في هذه القراءة النقدية مع هذه الفرضية الدرامية وأتصور أنَّ هذه المرأة هي أم الشهيد الذي استشهد في ساحة التحرير، وأن المرأة المُقعَدة هي أرملة الشهيد الذي أصابتْهُ القنبلة الدخانية في رأسه وتلك الشابة هي الأخت المصابة بفقدان أخيها ولهذا ظهرنَ لنا وهُنَّ متشحات بالسواد لهذه الافتراضات الدرامية أو تنويعاتها المتعددة. وداخل العرض المسرحي الرشيق للمخرجة عواطف نعيم جاء استخدام الـ (داتو شو) موفقاً وقد تمَّ استخدامه وتوظيفه إلى ما يشبه اللقطة القريبة للشخصية الرئيسة، ليس بالمعنى السينمائي والتلفزيوني فحسب حيث اللقطة القريبة للممثل، وإنما كانت لقطات قريبة للشخصية والتعبير الدقيق عن دواخلها وانفعالاتها النفسية في لحظات احتدامها وتوترها.
في التمثيل كان حضور الممثلة شذى سالم طاغياً ومهيمناً بكل هدوء ورصانة وبكل قدرتها وامكانياتها التمثيلية الرائعة وقد تبنَّت الشخصية وأمسكتْ بتلابيبها على نحو مؤثر ومقنع ومبهر لتؤكد لنا أنها من طراز خاص من الممثلات اللواتي اكتسبن الخبرة من خلال التجارب الفنية المتواصلة على مدى سنين طويلة.
وبالمقابل نجحت الممثلة شيماء جعفر بأدائها الحيوي وانفعالها العاطفي المندفع أن تقدَّمَ من خلال شخصيتها الند التمثيلي النوعي، في حين كان يمكن للفنانة القديرة سمر محمد أن يكون لها حضور وفاعلية أكبر لو توَّفرتْ لها المساحة المسرحية المناسبة.