العالم وكوميديا الحرب

الخميس 13 كانون ثاني 2022 753

العالم وكوميديا الحرب
علي حسن الفواز
 
حين تعطس روسيا يُصاب الأميركان بالزكام، وحين يتحسّس الأميركان يشعر الروس بضيق التنفس، هذا هو حال العالم اليوم، وما بين لعبة العطاس السياسي والربو النووي تتعرّض كثيرٌ من الدول إلى ما يُشبه فوبيا الأمراض المعدية التي باتت تهدِّد الأرض والحدود والثروات والمصالح.
ما يحدث في شرق العالم وفي شماله، يمكن أن يحدث في غربه البعيد أيضاً، فمادامت الأدلجات ساخنة، وصالحة للتسلح والمغامرة، فإنَّ الإصابة بالعطاس الروسي والزكام الأميركي سهلة وسريعة العدوى، وقابلة لفتح الأسواق والممرات المائية، والمشافي السرية، وبقطع النظر عن شيوع فكرة الحرب والدعوة إليها، ومدى تأثيرها وجدوى أخطارها المحتملة، فإنَّ لعبة أسواق الأسلحة ستكون هي الأكثر رواجاً، لأنها تعني دعوة الجميع للبحث عن حلول مسلحة، أو لصناعة حدود مسلحة، لها ميزانياتها المفتوحة، والبعيدة عن الرقابة.
لقد بات واضحاً للجميع أنَّ فكرة الحروب الخارجية لم تعد صالحة، لأنها تعني التورط بخسارات كبيرة، وأي رهان على أوهام النصر سيكون نوعاً من الكوميديا السوداء، رغم وجود مصالح دولية تدفع باتجاه تغويل فكرة الحرب، لتغذية أسواق الأسلحة، وصولاً إلى تحويل خيار السلاح المتطور إلى خيارات وحسابات سياسية، وهو ما تمارسه الولايات المتحدة في ضغطها على الدول التي تريد شراء طائرات f35 المتقدمة، وعلى وفق حسابات معقدة، رغم أنها طائرات بالغة الأثمان، لكنها ستساعد على التخفيف من أعراض الزكام والربو السياسيين.
فكرة الحرب والانتصار لم تعد تقاس هكذا، فالحرب لها ما قبلها، ولها ما بعدها، وهذا الأمر تحكمة السياسة وليس الأسلحة، وربما يحكمه العقل وليس الانفعال، لاسيما وسط ضغوطات اقتصادية كبرى، وتهديدات بيئية وصحية أكبر وأخطر، فضلاً عن أنَّ الصين لم تدخل بعد في رهان "العطاس" مع الولايات المتحدة، لأنها تعمل بصمت، وضمن الجغرافيا الاقتصادية والجيوسياسية التي تخصّها، ولعلَّ "طريق الحرير" في حال تنفيذ خطواته الستراتيجية، فإنه سيتسبب بحرب عطاسات كبرى مع الولايات المتحدة، لأنه يعني إبعاد فكرة الحرب بعيداً عن الرقابة الأميركية أولاً، وسيمنح بعض خصوم أميركا فرصاً ذهبية للاستثمار ثانياً، وللابتعاد عن سطوة العقوبات، والاقتراب الدافئ من روسيا ثالثاً.