الكشف عن فلسفة التاريخ عند ابن خلدون

الأحد 16 كانون ثاني 2022 252

الكشف عن فلسفة التاريخ عند ابن خلدون
 الدكتور حسين الهنداوي
يرى محسن مهدي الفيلسوف الفارابي بوصفه المؤسس الأهم للفلسفة الإسلاميَّة السياسيَّة، في إطار تحليل دقيق التوثيق لمصنفاته ملقياً الضوء على مفاهيم ونصوص للفارابي لم تكن معروفة أو معروفة جيداً من قبل، مبرزاً عبقريَّة هذا الفيلسوف كمفكرٍ عقلاني عميق سعى إلى إرساء أسس فهمٍ جديدٍ لعلاقة واقعيَّة بين “الملة” (الأنساق الدينيَّة) والفلسفة
بدأ الإسهام الفكري لمحسن مهدي مبكراً وعفوياً في أطروحته التي قدمها في جامعة شيكاغو عام 1954 بعنوان «فلسفة التاريخ عند ابن خلدون - دراسة في الأساس الفلسفي لعلم الثقافة»، والتي تعدُّ أولَ إنجازٍ متميزٍ له، وأعمق ما صدر من دراسات عن ابن خلدون حتى ذلك الحين. وتتضمن الدراسة خمسة فصول، تحمل العناوين التاليَّة: (خلفيَّة تاريخيَّة وسيرة ذاتيَّة، الفلسفة والقانون، من التاريخ الى علم الثقافة، علم الثفافة: قضاياه ومشكلاته، علم الثقافة: أسسه ومنهجه).
يحاول مهدي في هذا الكتاب الكشف عن ملامح فلسفة للتاريخ بالمعنى الحديث لدى صاحب «المقدمة» الذي كان يُعرَفُ عموماً كمؤرخٍ وصاحب نظرات في الاجتماع والتربية وحسب من قبل، مركزاً على الأسس والمبادئ الفلسفيَّة «لعلم الثقافة الجديد» عنده، للتدليل على أنَّ فهماً كافياً لمساهمة ابن خلدون في دراسة الجوانب المختلفة للمجتمعات الإنسانيَّة، يتطلب فهماً شاملاً لمجمل منهجه في علم الاجتماع. كما يطرح الكتاب سؤالاً مركزياً مفاده: هَلْ جَعلتْ عُلومنا التاريخيَّة والثقافيَّة، الفلسفةَ، زائدة عن الحاجة، أَو أنَّ هذه العلوم، على عكس ذلك، في حاجة ملحَّة للأسس الفلسفيَّة؟ ويسعى محسن مهدي الى الإجابة على هذا السؤال عبر بحثٍ معمقٍ لاطروحات ابن خلدون النظريَّة، عاداً إياه بمثابة المفكر الوحيد الذي اهتم بدراسة التاريخ في علاقته مع الثقافة والاجتماع، مستنتجاً أنه أسَّسَ علماً خاصاً للتعامل مع مشكلة التاريخ والثقافة، بالاستناد إلى فلسفة أفلاطون وأرسطو
وتلامذتهم من المسلمين.
 
خلافٌ فلسفي
ومن الضروري أنْ نذكر في هذا المجال الخلاف الفلسفي بين محسن مهدي ومفكرٍ عراقيٍ معاصرٍ له اهتمَّ بدراسة فكر ابن خلدون أيضاً هو عالمُ الاجتماع الكبير علي الوردي. إذ وبينما ذهب محسن مهدي في دراسته الى أنَّ ابن خلدون سارَ في منهجه الفلسفي على النهج ذاته الذي سار عليه الفلاسفة الاغريق من أمثال ارسطو وسقراط كما اتبعه العديد من فلاسفة المسلمين كالغزالي وابن رشد وابن باجّه وأنَّه بالتالي بنى علم الاجتماع على الأسس الفلسفيَّة عينها للمنطق القديم الارسطي خاصة وكما قدمه ابن رشد الى درجة انه عدَّ أنَّ ابن خلدون هو تلميذ لابن رشد وسارَ على نهج أستاذته عينه والذي هو ذاته امتدادٌ للمنهج الارسطي، يرى علي الوردي أنَّ الإنجاز والإبداع الذي قدمه ابن خلدون إنما يكمنُ في تحرره من قالب المنطق الارسطي التنظيري مستنتجاً أنَّ ابن خلدون وعلى الرغم من استخدامه للمصطلحات الفلسفيَّة التي استخدمها الفلاسفة السابقون اتبع منهجاً فلسفياً مغايراً يرتكز على النظرة الواقعيَّة للمجتمع الإنساني ودراسته كما هو.
أما بالنسبة لنا، فكما لاحظنا في دراستنا عن «علي الوردي والمنطق الجدلي»، أنَّ موضوعة الجدل في فلسفة التاريخ الخلدونيَّة، لا سيما في القضايا التي تمسُّ التطور الدوري في نشوء وانهيار الدول والحضارات وفهم أسباب ظاهرة العمران البشري وديناميتها وغيرها من المحاور، هي التي كانت محط اهتمام علي الوردي في دراسته عن منطق ابن خلدون، قبل أنْ يتساءل: «أكان ابن خلدون يجري في تفكيره على منهج المنطق الارسطي الذي كان فلاسفة الإسلام يجرون عليه أم أنه ابتكر لنفسه منطقاً جديداً خاصاً به؟».
وهذا السؤال كان التأسيس الأول لمنهج علي الوردي الخاص في علم الاجتماع برأينا. وهو منهجٌ قائمٌ منذ البدء على استنتاج مفاهيم نظريَّة مؤسسة على الاستقراء، وليس إنتاج مباحث تطبيقيَّة أو تربويَّة أو تأريخيَّة، الأمر الذي خلق لديه لاحقاً طموحاً تجاوز المنطق بصيغته الخلدونيَّة بحثاً عن صيغٍ أكثر حداثة وتعقيداً. ومن الواضح بداهة أنَّ اطلاعه على كتاب محسن مهدي عن «فلسفة التاريخ عند ابن خلدون» الصادر بالانكليزيَّة في العام 1957، كان في نظرنا السبب المباشر في اكتشافه لأعماق منطق ابن خلدون. إذ يمتاز هذا الكتاب بكونه أول بحثٍ من نوعه يدرس الناحية الفلسفيَّة والمنطقيَّة في النظريَّة الخلدونيَّة حول العمران البشري، بعد أنْ كان الباحثون قبل مهدي لا يشيرون إلا إلى الناحية الاجتماعيَّة منها. والوردي يسجل تقديره الصريح لهذا الكتاب وإعجابه بمحسن مهدي وموافقته على الكثير من آرائه، إلا أنَّه يخالفه جذرياً في القول بأنَّ ابن خلدون جرى في نظريته الاجتماعيَّة على المبادئ المنطقيَّة ذاتها التي جرى عليها افلاطون وارسطو ومن تابعهما من فلاسفة الإسلام.
وهكذا وبينما يرى مهدي أنَّ ابن خلدون لم يكن سوى تلميذٍ مخلصٍ للفلاسفة القدامى، لا سيما لابن رشد، وأنَّه بنى علمه الجديد على الأسس نفسها التي بنى أولئك تفكيرهم الفلسفي عليها، إذ لم يجد حاجة الى تغيير تلك الأسس أو التشكيك بصحتها، يرى الوردي أنَّ ابن خلدون كان ثائراً على الفلسفة القديمة بوجهٍ عام، وعلى المنطق الارسطي بوجهٍ خاص. والدليل هو أنَّه لو كان سائراً على المنهج المنطقي عينه الذي سار عليه الفلاسفة قبله «لما استطاع أنْ ينتج لنا علماً جديداً».
ففي ظن الوردي أنَّ «الإبداع العظيم الذي جاء به ابن خلدون نشأ عن كون هذا الرجل قد استطاع أنْ يتحررَ من المنطق القديم وأنْ يتخذ لنفسه منطقاً جديداً». ومن هنا تتأتى ظاهرياً لديه ضرورة كتابه «منطق ابن خلدون» بوصفه الأهم في
هذا الشأن.
فالمفكر حسب الوردي، كلما كان أكثر تحرراً من قيود المنطق القديم كان أكثر إبداعاً في تفكيره، بينما يثبت الواقع أنَّ العلوم الحديثة كلها، الطبيعيَّة منها والاجتماعيَّة، «لم تستطع أنْ تنمو هذا النمو العجيب إلا بعد أنْ بدأ فرانسيس بيكون بثورته المعروفة على المنطق الارسطي والتراث الفلسفي القديم». لذا فهو يعلن الثورة على مفهوم المنطق التقليدي في المنظورات الاجتماعيَّة الموروثة هذه المرة. وهذا ما يفسر ربما البعد النقدي وحتى السجالي الذي يطبع لغة الوردي وتحليلاته، لا سيما حيال بعض معاصريه من الباحثين أو الدعاة الذين يجادلون معتمدين «على ما لديهم من أقيسة منطقيَّة قديمة يصولون بها كما يصول المحارب بسيفه البتار»، غير مدركين أنَّ المجتمع، وكما قال ابن خلدون بداهة، «يراد له منطق آخر
غير المنطق الأخير».
 
إحياء فلسفة الفارابي السياسيَّة
رغم تحول محسن مهدي الى مرجعٍ أول في دراسة الفكر التاريخي الخلدوني بفضل شهرته بفضل دراسته عن «فلسفة التاريخ عند ابن خلدون» وتأليف ونشر العديد من المقالات الجديدة عن ابن خلدون يبحث أغلبها موضوعات لم يتطرق لها في دراسته تلك، سرعان ما اتجه الى توسيع اهتمامه الفلسفي ليتفرغ ملياً لدراسة الفارابي ومؤلفاته الفلسفيَّة. أما عن سبب ذلك التحول فيسميه بـ (التاريخي)، في إشارة الى أنَّ ابن خلدون يقول إنَّ التاريخ جزءٌ من علم السياسة أو الفلسفة السياسيَّة، أو الفلسفة
الإنسانيَّة.
وهكذا، غدت إعادة اكتشاف فلسفة أبي نصر الفارابي، المعروف بـ «المعلّم الثاني»، لا سيما فلسفته السياسيَّة، بمثابة المنجز الكبير التالي الذي حققه محسن مهدي. فقد عمل على اكتشاف وترجمة وتأويل كثيرٍ من كتب الفارابي ورسائله الى جانب تحقيق عدة أعمالٍ كبرى له، وبينها مخطوطات نادرة منسيَّة أو مهملة، مثل كتاب «الحروف» وكتاب «الملة»، وكذلك كتابي «الألفاظ المستعملة في المنطق» و»في الواحد والوحدة» وسواها من نصوصٍ قام بتدريسها ونشرها بعدة لغات، واضعاً إيّاها من منظورٍ مقارنٍ بمواجهة كتابات فلسفيَّة عربيَّة وغربيَّة قديمة وحديثة، وهي إجمالاً تمثل خلاصة أكثر من أربعة عقود من البحث في كتابات هذا المفكر العظيم وفي ما كتب عنه، متوجاً إياها باستنتاجه المثبر بأنَّ الفارابي هو الفيلسوف المدني بامتياز، مشيراً الى أنَّ لبنات فلسفة الفارابي الخاصة في هذا الشأن وضعها بشكل منهجي في مؤلفه الكبير «إحصاء العلوم» الذي وجد تداولاً واسعاً بالعربيَّة والعبريَّة واللاتينيَّة في العصر الوسيط، ما يجعل قراءة هذا العمل الفلسفي الاستثنائي، لا سيما في مجال تأسيس الفلسفة الإسلاميَّة السياسيَّة، ضروريَّة حتى الآن لكل من يهتمّ بالفلسفة السياسيَّة الوسيطة الإسلاميَّة والمسيحيَّة واليهوديَّة على حدٍ سواء.
ولعلَّ كتاب محسن مهدي الذي يجمع في ترجمة فرنسيَّة محاضراته التي ألقاها في معهد «العالم العربيّ» بباريس في 1991 وعنوانه «الفارابي وتأسيس الفلسفة السياسيَّة»، (La Fondation de la philosophie politique en Islam. La cité vertueuse d›Alfarabi, Paris, Champs-Flammarion, 2000.)، هو الأهم بين مؤلفات عديدة أصدرها عن الفارابي. ففي هذا الكتاب يبرز الفيلسوف الفارابي بوصفه المؤسس الأهم للفلسفة الإسلاميَّة السياسيَّة، في إطار تحليل دقيق التوثيق لمصنّفاته ملقياً الضوء على مفاهيم ونصوص للفارابي لم تكن معروفة أو معروفة جيداً من قبل، مبرزاً عبقريَّة هذا الفيلسوف كمفكرٍ عقلاني عميق سعى إلى إرساء أسس فهمٍ جديدٍ لعلاقة واقعيَّة بين “الملة” (الأنساق الدينيَّة) والفلسفة، أي بين الشريعة والحكمة، بين النقل والعقل، هي في جوهرها دفاع فيلسوف عن الفلسفة في زمن الملة، أي في زمن دولة دينيَّة أو يحكمها الدين، كاشفاً عن العبقريَّة الفلسفيَّة لأبي نصر، وهي عبقريَّة استثنائيَّة بغض النظر عن حقيقة وجود تأثيرات للفلاسفة السابقين عليه ومصادر أكيدة لبعض عناصر فلسفته.
 
عبقريَّة الفارابي
بكلمة أخرى، تتمثل عبقريَّة الفارابي بشكلٍ خاصٍ حسب محسن مهدي بنجاحه في التوفيق بين «العلم الإلهي» و»العلم المدني»، بشكلٍ تجاوز به كل من سبقه من الفلاسفة رغم أخذه لعناصر منتقاة من بعضهم، أو جمعه المقصود بين أفكار متنافرة لبعضهم، لا سيما «الحكيمين الاشهر قبله وهما افلاطون وآرسطو، وكل ذلك بما يخدم تصوره هو عن الفلسفة المدنيَّة التي رفعها إلى مرتبة علم يسمح بدراسة أنواع السياسات المدنيَّة وخصائص كل منها ومجالات ومستويات نفوذها في المجتمعات الانسانيَّة، وكذلك دراسة الفوارق بين المجتمعات عينها بشأن الساسات ذاتها استناداً إلى الديانات الخاصة بها وانساقها السياسيَّة والاخلاقيَّة والاجتماعيَّة المترتبة. 
ولا يقلل مهدي من تأثير كتابات لأفلاطون ولأرسطو على الفارابي في العلم المدني الذي يسميه الفارابي «الفلسفة المدنيَّة» ويبحث في المُلك والملكيَّة، والمدن والأمم، والعلم والفلسفة طالما لا تمس الفقه والعقيدة. الا ان ذلك التأثير كان محكوما بالتوافق العميق مع العقيدة الاسلاميَّة التي ظل الفارابي راسخ الانحياز اليها الى درجة محاولته جعل أفكار افلاطون وآرسطو تتجاوبان مع تطلعاته كمفكر إسلامي.