جسدها في الزحام

الثلاثاء 18 كانون ثاني 2022 243

جسدها في الزحام

ابتهال بليبل 

ماذا يحدث عندما تتواجد امرأة وحيدة ما بين حشود مكتظة من الرجال؟، خاصة عندما نفترضُ أن وجودها في تلك اللحظة ينحصرُ فقط في جسدها، إذ تتراجع باقي فعالياتها المعنوية تماماً ولا يبقى غير الجسد أداة فعالة.
الجسد إذن هنا مُستعمرة تتناوشها الأعين البصاصة، الشرهة، الفضولية، فهو محاط بـ «حشود» غير محايدة، مختلفة، حتى وإن كانت هذه الحشود من الإناث، لذا سيكون من المهم جداً وأنا أحاول التوغل في هذا الموضوع ألا أبتعد عن أطروحة التجسيد التي تقول إن (الإدراك يعتمد على جسم العامل وتفاعلاته مع بيئة محدّدة). إلا أن المفارقة تكمن هنا في ربط الأماكن العامة بالاستقلال الجسدي، مهما كان شكله فمن غير المستبعد إذن عند التفكير بمسألة الشعور بالأمان الذي يعتمد على الادراك والانتباه والذاكرة والتفكير، أن ترمز الأماكن العامة، بالنسبة لأجساد النساء، إلى فضاءات مُتغيرة الاتجاهات، تربطهن بشبكات اجتماعية وثقافية غير متكافئة، أحدها ينتمي إلى الاستعمار، والآخر إلى المُستعمرة، إذ تبدو أجسادهن مرئية وملموسة ومحدّدة خاصة بين حشود الرجال!.
فلأجساد النساء المرئية طبيعة متناقضة.. ففي السياق الآنف ذكره كان التواجد بين الحشود هو المحفّز للتحرشات الجنسية داخل (يوتيوبيات) مكتظة بأجساد الذكور. إلا أن هذا التواجد الذي يَعِد جسد الأنثى بالانتهاك كان قد خلق انطباعا معقداً من الذاتية، يمكن أن نصنفه على أنه اتصال قسري مع العالم، تتشابك الأحاسيس فيه كبنية داخلية مع الروائح والألوان والأصوات.. الإحساس الممنوح لنا ليس جزءا منعزلا كمعاناة أو متعة.. إنه توافق مع الجسد، وتلك الروائح والأصوات والملامح التي تحاصرنا بسبب الزحام تُظهر جودتها فقط في ما يتعلق الأمر بتحركات الجسد، ومن ثمّ أنا الآن بوجودي الجسدي مجرد عنصر من عناصر التكوين المكاني، لذا فإن الانتهاك الذي يتعرض له جسد الأنثى يشكل جزءا من موقف، تشابك داخله الدلالات التي لها بالفعل قيمة المستعمرة.
ففي الفضاءات التي تعلي قيمة جسد الأنثى عبر استعماره من خلال النظر أو الإشارة واللمس، ربما نفقد ميزات الإدراك الذي يتحول فجأة لسلوك تكيفي أو (صناعة غير ذاتية) وهو أحد الأشياء التي تغضب النسويات لأنه يتبنى المواقف الذكورية تجاه الجسد المنتهك.  
وبما أن الانتهاك هو ما يمنعني من التفكير في ذاتي، التي تظل مع ذلك مشروعاً قائماً بوصفها العام يمكن أن تخضع في أي لحظة للانتهاك، فإن أي وصف لجسدها لا يأخذ انتهاكه بالأماكن العامة في الاعتبار يتحول إلى شكل من أشكال الحتمية الطبيعية، خاصة وقد اعتاد المجتمع الأبوي على انتهاك جسد المرأة كعقوبة لها مقابل الخوف. ومن ثمّ فإن تنظيرات الذات والجسد لا تتقاطع مع مسألة القوة والسلطة، لأنه كجسد، يخضع للمحرمات والقوانين، تصبح الذات واعية بنفسها ومع ذلك، على الرغم من أن التحرير يُفهم على أنه أفق للانتهاك، فإن الخضوع الأنثوي لا يتغير أو ينتهي ببساطة لأن المجتمع يرتاح من غياب النساء في أماكن حشود الرجال كنتيجة التمييز الجنسي.