مرض السلطة المزمن

الثلاثاء 18 كانون ثاني 2022 194

مرض السلطة المزمن
 رعد اطياف
 
ما زال هذا التساؤل الذي أثاره الكاتب الألماني روبرت تسيمر في كتابه الشيّق "في صحبة الفلاسفة" مادة غنية جداً لفهم الإخفاقات السياسية في ثقافتنا العربية. والسؤال كالتالي: لماذا ازدهرت الحداثة في أوروبا الغربية، علماً أن الحضارة العربية الإسلامية كانت لها كل أسباب التقدم قبل أن تعثر أوروبا على هذه الأسباب؟ يجيب الكاتب الإلماني، إن الميزة التي تفوقت بها الحضارة الغربية هي المؤسسة. رغم الطابع الاختزالي في جواب الكاتب، إلا أنه ينطوي على مادة تحليلية تضعنا في قلب المشكلة.
وقد يحلو لنا أن نحيل الإشكالية إلى منعطف تاريخي يعد النقطة الحاسمة في انهيار الدولة المركزية العربية، وأعني به سقوط بغداد على يد هولاكو. 
ومنذ ذلك الحين لم تر الدولة النور بشكل عام، باستثناء بعض اللحظات التاريخية التي تظهر فيها الدولة، ثم تتلاشى مؤسساتها تحت هيمنة العوامل الشخصية. والكلام من هذه الناحية ذو شجون وملء بالدم والدموع.
 لكن الوقائع التاريخية تخبرنا أن حكّام بغداد العباسية، على سبيل المثال، كانوا مصابين بمرض السلطة المزمن، وظلت هذه الإمبراطورية مقسمة بين الفرس تارة والأتراك تارة أخرى، وكان العنصر العربي ضئيل التأثير في الجوانب الإدارية والسياسية. وفي أواخر أيام هذه الإمبراطورية شهدت ضعفاً ملحوظاً لدرجة ان نشاطات الحاكم كانت موزعة بين الطرب واللهو، إذ يكفي ما يتمتع به من رمزية روحية وسياسية بوصفه حاكماً بأمر الله، أما الباقي فكان موكولاً إلى الغير.
في هذه العجالة السريعة، يمكن القول، إن أحد الأسباب الجوهرية في هذا الانهيار المريع لم يكن هولاكو!، وإنما كان مرض السلطة المزمن، الذي تظهر أعراضه وتأثيراته بقوة في سيرة هؤلاء الأباطرة. فهولاكو كان نتيجة وليس سبباً. 
ولو أدرك العرب، وبالخصوص في الحقبة العباسية، قيمة السلطة ونتائجها المستقبلية، لوجدوا الترياق لهذا المرض العضال الذي أضاع إمبراطورية كانت تحكم العالم في ذلك الحين.
المشكلة ليست في النبش في الماضي بوصفه جلداً للذات، بل أن هذا الماضي ما زال راهناً ويلقي بظلاله علينا في كل حين!، لدرجة أن حاضرنا هو صورة طبق الأصل لماضينا من حيث الوقائع السياسية، وأعني به بالذات هذا المرض المستفحل، الذي يدفعنا للتضحية بكل شيء مقابل سحر السلطة الذي لا يقاوم.
 في معجمنا السياسي تتوقف السياسية عن هذه التعبة: وهي نزعة الاستيلاء على السلطة، ويبقى السؤال المفصلي والمهم مُغَيَّبا تماماً، وهو ماذا بعد الوصول للسلطة؟ ما زال هذا السؤال مسكوتا عنه.