النظرية الجزئية وتراجع الأداء

الثلاثاء 18 كانون ثاني 2022 311

النظرية الجزئية  وتراجع الأداء
 د. حامد رحيم
النظرية الاقتصادية الجزئية (Microeconomics) هي النظرية التي تتناول بالبحث والتحليل سلوك المستهلك ومتغيرات المنشأة الاقتصادية والسوق وما تتضمنه تلك المحاور من توازنات بشكل منفرد، وبهذا فهي تختلف عن النظرية الكلية التي تعالج النشاط الاقتصادي الكلي أي نشاط الوحدات الاقتصادية مجتمعة، ومن ثم فهي تعالج الطلب الكلي والعرض الكلي وآليات التوازن الكلي واثر السياسات عليه وغير ذلك.
وفق هذه النظرية، كيف لنا فهم إشكالية الفشل والتباطؤ والتراجع في الخدمات الحكومية المقدمة للمواطن في ظل التنامي الكبير في أعداد العاملين في القطاعات الحكومية؟، ولا يخفى بالتأكيد دور الفساد وتراجع الاداء وغيرها من العوامل، لكن عملية الربط بين زيادة عدد العاملين وتراجع الانتاج والتي تحتاج تحليل ساكن (static analysis) يفترض ثبات او سكون العوامل الآخر لايجاد تصور عن التأثير المتبادل بين عدد العاملين ومستوى الانتاج، وبما أن النظرية الجزئية تعالج المنشأة الواحدة فإن التحليل كذلك سيكون في اطار الوزارة او الهيأة الواحدة.
وفق التغيرات الحاصلة في هيكل المنشأة، يحدد الأجل الزمني، فإن كان التغير في عنصر انتاجي واحد فإن الأجل عند ذلك يكون قصيراً، أما إن كان التغير شاملا فيكون الأجل طويلاً، من الواضح للعيان ان الاداء العام الحكومي ضعيف جداً في مجال التوسعة الاستثمارية ودعم التراكم الراسمالي، ويؤشر ذلك بوضوح عند ملاحظة حجم التخصيصات الاستثمارية في الموازنات الذي لا يتجاوز في اغلب الاحيان 30% ولا تنفذ منه إلّا نسب جزئية ويتم تحويل الباقي الى التشغيل، وهذا يعني أن الزيادة في أعداد العاملين لأي وزارة او هيأة يعطينا صورة على ان تلك المنشأة تعمل في إطار (الأجل القصير).
في هذا الأجل تحكم المنشأة بقانون مهم جداً يؤثر على مستوى الانتاج وهو قانون الغلة المتناقصة(diminishing returns) ، أي أن زيادة عنصر العمل بشكل مستمر من دون تغيرات في مستويات رأس المال، فإن مستوى الانتاج يمر بمراحل تبدأ من الزيادة المتزايدة في الانتاج حتى تتحول الى زيادات متناقصة، ومن ثم يبدأ الانتاج بمرحلة التناقص المطلق، وعليه فإن العلاقة لم تكن صحيحة في أجلها القصير بسبب سياسات التوظيف التي أدخلت الوزارات والهيئات بقانون الغلة المتناقصة، فنجد أعدادا كبيرة في العمل الوظيفي الحكومي وفشل كبير في أداء الخدمة للمواطن، وهذا ما نلمسه كمواطنين ونصت عليه المؤشرات العالمية مثل مؤشر الدولة الهشة الذي أشار في أحد مكوناته (التراجع في تقديم الحد الادنى من الخدمات للمواطنين) والعراق بمراتب متقدمة في هذا المؤشر.
يمكن أن يكون الحل وفقا لهذا التحليل في الوزارات المهمة مثل التربية وأمانة العاصمة والصحة وغيرها بالتوسعة الرأسمالية واعادة تشكيل التوليفات بين عناصر الانتاج لغرض تحسين الانتاج ولكن بملاحظة قوانين (الأجل الطويل) حتى لا نسقط في إشكالية قانون (الوفورات واللا وفورات) الذي يحكم الانتاج في الأجل الطويل، يبدو أن خيارات النظرية الاقتصادية الجزئية اكثر واقعية في ظل ظروفنا الحالية من خيارات (الصدمة) وأقصد تسريح الموظفين حتى لو كانت الحلول العلمية توصلنا الى تحقيق نسب إصلاح معقولة وليست شاملة.