أمومةُ اللغة

الأربعاء 19 كانون ثاني 2022 425

أمومةُ اللغة
   ميادة سفر
 
في سعيها إلى لمّ شمل مواطنيها والحفاظ على تراثها، تعمد أغلب الدول إلى تمتين لغتها الأم والحفاظ عليها من الاندثار، على اعتبار اللغة هي أحد عوامل تشكيل الأمم وتبدو شرطاً أساسياً في نمو الفرد لغوياً ومعرفياً واجتماعياً، فضلاً عن أنّ اللغة تشكل عاملاً مهماً في ارتباط الفرد بوطنه وتعزيز شعوره بالانتماء إليه، من هنا تغدو اللغة الأم عنصراً مهماً في حياة الشعوب والأمم، وربما انطلاقاً من تلك الأهمية خصصت منظمة الأمم المتحدة يوماً عالمياً للغة الأم والذي يصادف الحادي والعشرين من شهر شباط من كل عام.
لا يمكن الحديث عن اللغة الأم وأهمية الحفاظ عليها دون المرور أو الوقوف والتأمل ملياً في حال الدول، التي استقطبت أعداداً كبيرة من المهاجرين لا سيما في السنوات الأخيرة وتحديداً من بلاد الشرق الأوسط، حيث إنَّ التغير الديموغرافي الذي طرأ على بعض تلك الدول حتمت على حكوماتها اتخاذ إجراءات، من شأنها الحفاظ على التنوع الثقافي واللغوي والعرقي الذي فرض عليها، ومن جانب آخر تعليم لغتها والمحافظة على اللغة الأم للمهاجرين من خلال فرض تعليم لغاتهم في المدارس على سبيل المثال، حيث إنَّ احترام اللغة التي يتكلم بها المهاجرون وتمكينهم من الحفاظ عليها، بدلاً من تهميشها يمكن أن يساعد إلى حد كبير من اندماجهم بالمجتمع الجديد وليس صهرهم فيه ومحو شخصياتهم وماضيهم بما فيه من لغة وعادات.
تقوم اللغة في أي بلد بمهمة أساسية في نقل ثقافة المجتمع الذي يتحدث بها، وعلى اعتبار الثقافة أحد حوامل قيم الشعوب تغدو اللغة هنا ذات أهمية مضاعفة، من حيث كونها أداة للحفاظ على تلك القيم التي تشكل الهوية الاجتماعية لتلك الشعوب، الأمر الذي يجعل تهميش اللغة الأم بمثابة قتلٍ لجانبٍ كبير من التراث الإنساني لبلد ما وجوانب من الذاكرة الجمعية للشعب.
على الرغم من كل المحاولات للحفاظ على اللغة الأم، ألا يبدو الزمان كفيلاً أن ينسي المهاجرين عن أوطانهم إياها بمرور الوقت وقلة استخدامها والتعامل بها؟ أليست اللغة مجرد وسيلة للكلام والتواصل مع الآخرين؟ أم هي جزء من حياتنا تعيش معنا وتبقى حتى وإن تعلمنا لغة أخرى؟ اللغة جزء من هوية الإنسان أكبر من كونها وسيلة للحديث، هي نظرتنا إلى الأشياء، أحاسيسنا التي تنمو فينا ونعبر عنها بلغتنا الأم بيننا وبين أنفسنا، إنها طريقة وجودنا، بدليل أننا وإن اتقنا أية لغة أخرى وتحدثناها بطلاقة، تظل غريزة الأمومة لدى لغتنا الأولى حاضرة، نفكرُّ بها ونحبُّ ونكره ونغضب ونعلن سخطنا بكلمات من قواميسها وإن لم يفهمْ من حولنا ماذا نقول.
إنّ التمسك باللغة الأم لا يعني رفض تعلم غيرها، بل على العكس إن لغة أخرى تشكل قيمة مضافة للفرد أولاً وللمجتمع ثانياً، وما الترجمة التي تنقل آداب وعلوم الدول الأخرى إلا دليلٌ على أهمية تعلم واتقان لغة أخرى مع الحفاظ على تلك اللغة، التي نطقنا بها أسماءنا لأول مرة، وبها عرفنا عن أنفسنا ولفظنا أسماء أهلينا، اللغة كالأم وحدها الكفيلة بلم أبنائها من حولها ومن هنا جاءت {أمومة اللغة}.