سنواتي مع أحمد الجلبي

الأربعاء 19 كانون ثاني 2022 2075

سنواتي مع أحمد الجلبي
 د. علي علاوي*
حين كان أحمد في شيكاغو، كان يعاود زيارة بوسطن بانتظام. أعتقد أنه استمتع بصحبة أصدقائه في بوسطن أكثر. خلال هذا الوقت، خبرتُ قليلاً تأثيرات أحمد الأخرى. اشتهرت جامعة شيكاغو بأشياء أخرى غير قسم الرياضيات، فكانت أيضاً المكان الذي اجتمعت فيه الدراسات متعددة التخصصات في لجنة الفكر الاجتماعي Committee on Social Thought التابعة لها. في تلك الأيام، كان مجرد قسم أكاديمي آخر، ولكن كان له تأثير هائل ولاحق في العراق.
 
كان محسن مهدي يعمل في جامعة شيكاغو قبل أن ينتقل إلى هارفارد. وهناك تأثر بالفيلسوف الألماني اليهودي ليو شتراوس الذي كان عضواً في لجنة الفكر الاجتماعي. أثّر رأي شتراوس في الفلسفة الأفلاطونية في كثير من الأكاديميين بمن في ذلك عالم السياسة ألبرت وولستيتر وتلميذه البارز بول وولفويتز. ونحن نعلم جميعاً دور وولفويتز في غزو العراق. أتذكر كيف كان أحمد يتحدث عن شتراوس وولستيتر في تلك الأيام.
كانت هناك حلقة أخرى أتذكرها بوضوح أثّرت في أحمد وفي نفسي بطريقة غير مباشرة. ولا بد من أنها كانت في العام 1967 أو 1968. إذ طلب مني أحمد أن أبحث في إمكان الحصول على مساعدة من معهد ماستشوستس في بناء مكتبة للعلوم والتكنولوجيا لجامعة أهلية مقترحة في العراق، جامعة الكوفة. كانت من بنات أفكار المعماري الشهير محمد مكية، الذي كان ابنه كنعان في ذلك الوقت معي في معهد ماستشوستس. ويبدو أن مؤسسي الجامعة سألوا أحمد لمعرفة ما إذا كان بإمكان الولايات المتحدة المساعدة في بناء مكتبة جامعة الكوفة، من خلال جامعاتها الرائدة. حصل أحمد من جامعة شيكاغو على توفير الوصول إلى الميكروفيلم للعديد من كتب مكتبتها وكنا نعمل على الشيء نفسه في معهد ماستشوستس. كان عمري حينها نحو 19 عاماً، وكان عمر أحمد 22 عاماً. في ذلك الوقت، أطلعني أحمد على رسالة من عالم دين اسمه محمد باقر الصدر موجهة إليه يطلب فيها من أحمد الوصول إلى الأعمال الفلسفية من مكتبة الجامعة. لم يكن لدي أيّ فكرة عن محمد باقر الصدر في ذلك الوقت، لكنني وجدت أنه من المثير للاهتمام أن يكون أحمد على اتصال بعالم من النجف. من كان هذا الرجل؟ وما الذي بينه وبين أحمد؟ أمر لم أستطع  فهمه. كان أحمد معجباً حقاً بأعمال محمد باقر الصدر الفلسفية، وكان يكرر لي قوله إذا أتيحت الفرص والموارد لهذا العالم الجليل من الممكن أن يصل إلى درجات عليا في الفكر الفلسفي. 
وفي أواخر الستينيات أيضاً، أصبحت منخرطاً مع أنشطة أحمد الأكثر مغامرة وسرية. خلال الحكم العسكري للأخوين عارف، كنا عموماً هادئين بشأن السياسة في بلدنا. لكن بعد انتهاء نظام عبد الرحمن عارف المهزوز، وعودة ظهور حزب البعث، أصبح أحمد ناشطاً سياسياً ضد النظام. لقد لعب دوراً داعماً ولكن مهمّاً في مؤامرة كبرى ضد البعثيين بالشراكة مع ضباط وسياسيين عراقيين. الشخصية المركزية في هذه المؤامرة ضد البعث كانت بالطبع الملا مصطفى البارزاني. عاد أحمد، الذي تخرج في جامعة شيكاغو ونال بوقت قياسي الدكتوراه، إلى بيروت للتدريس في الجامعة الأميركية. كان دوري ضئيلاً جداً في هذه المسألة.   كلّفني أحمد بمرافقة خالي الراحل حسن الضرير إلى العديد من هذه الاجتماعات التآمرية في بيروت. لقد كانت تجربة مثيرة لفتى عمره عشرون عاماً. بعد التآمر الشكلي على البعث، ذهبت إلى هارفارد، لكن بالطبع لم أضع هذا في سيرتي الذاتية! لكن تورط أحمد كان أعمق بكثير. اكتشفت لاحقاً أن دوره كان محورياً جداً في القضية، وللأسف الشديد، اكتُشفت المؤامرة واعتُقل العديد من الأشخاص المتورطين وغير المتورطين وأُعدموا.
حين كان أحمد في الجامعة الأميركية في بيروت، كان اتصالي به محدوداً. كنت حينها أعمل مع البنك الدولي، في أمريكا اللاتينية تحديداً. لكننا بقينا على تواصل منتظم. يجب أن أقول إنني لم أفكر مطلقاً في أن حياة الأكاديمي يمكن أن تكون مرضية بالنسبة لرجل مثل أحمد، لكن هذا انتهى في العام 1974 عندما اندلعت الثورة الكوردية ضد البعث بقوة كبيرة. كنت في مهمة للبنك الدولي في الشرق الأوسط وتوقفت في بيروت. كان أحمد متعمقاً في تقديم الدعم الحقيقي للثورة الكوردية، وحين كنت في منزل جدي، شهدتُ العديد من الاجتماعات مع الممثلين الكورد وخالي حسن وأحمد. منذ البداية كان أحمد مدافعاً قوياً عن الحقوق السياسية للكورد.
المرحلة التالية في حياتي المتشابكة مع أحمد كانت بعد اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية. بحلول أواخر السبعينيات كنت أعمل مستشاراً للصندوق العربي في الكويت، على سبيل الإعارة من البنك الدولي. كان أحمد يستعد لمغادرة بيروت لأن الظروف هناك أصبحت لا تطاق. أتذكر أنني كنت في بيروت خلال إحدى فترات الهدوء في القتال. يجب أن تكون في العام 1977. 
كان بنك آل الجلبي وسط بيروت ووسط القتال. وكان مبنى البنك على وشك التعرض للهجوم، وكانت الإدارة قلقة للغاية من إتلاف المستندات الأساسية للزبائن. لا يمكنني أن أنسى كيف قاد أحمد، وسط قتال عنيف، مجموعة صغيرة من الحراس، واسترجع هذه الوثائق. لقد كان عملاً شجاعاً لا يصدق. كان أحمد أحد أكثر الرجال الذين قابلتهم شجاعةً.
على الرغم من أنني عملت معه فترة في إنشاء بنك في الأردن بين عاميْ 1977-1978، غادرتُ لاحقاً إلى لندن. لكنني أتيت إلى الأردن مراراً، وفي أثناء وجودي هناك، استطعت أن أرى كيف أبدع أحمد في العمل المصرفي والمالي. كان أول من أدخل الحوسبة المتقدمة في الخدمات المصرفية في الدولة، وأول من أدخل بطاقات الائتمان، وأول من قام بتمويل المشاريع حسب تدفقاتها النقدية. لا يصدق هذا من شخص ليست لديه أيّ خلفية تجارية. كان لديه فهم غريزيّ لدور التكنولوجيا وأنظمة تكنولوجيا المعلومات في التمويل الحديث، قبل أن يكون لدى أيّ شخص أيّ فكرة عنها في الشرق الأوسط أو حتى في أيّ مكان آخر. أعتقد أنه لو كان قد اختار البقاء في الولايات المتحدة والعمل في مجال تكنولوجيا المعلومات، التي كانت تنطلق في السبعينيات، لكان أحد أساطين رواد الأعمال في مجال التكنولوجيا الذين غيّروا المشهد الاقتصادي للعالم.
لكن شغفه كان دائماً بالعراق وشعبه المضطهد. بعد حرب الكويت في العام 1991، ظهر أحمد على الساحة في المعارضة العراقية في لندن. لقد كتبت عن هذا من قبل، لذا لن أتطرق إلى هذه الفترة سياسياً. لكنها كانت المرة الأولى التي يصادف فيها أحمد القوى السياسية الإسلامية المنظمة. لم يكن أحمد رجلاً متديناً تقليدياً. لكنني أعتقد أنه كان متجذراً بعمق في الفكر العرفاني الميتافيزيقي، فقد عرفتُ هذا الأمر أول مرة عندما كان في الأردن، ولذلك طورتُ اهتمامي بابن عربي، وأردتُ اختبار معرفتي وفهمي عنه. في محادثة مع أحمد، عرفت أنه كان يقرأ كتاب (فصوص الحكم) لابن عربي. كنت مندهشاً جداً من أن معرفته بالميتافيزيقا الإسلامية لم تكن سطحية، بل كانت عميقة جداً. لقد تحدثنا طويلاً، ليس فقط عن ابن عربي ولكن أيضاً عن الملا صدرا والأسفار الأربعة ، ومفهوم الحركة الجوهرية. استطعتُ أن أرى العلاقة بين الرياضيات والمنطق والميتافيزيقا والحكمة المتعالية للملا صدرا. إذ اكتشفتُ لاحقاً أنه اعتاد أن يناقش مع آية الله إسحاق فياض وبشير النجفي هذه المسألة، على الرغم من أن النجف ما تزال متشككةً إلى حدّ ما في شأن ابن عربي، ولكن ربما ليس بالشدة نفسها بالنسبة للملا صدرا.
بعد العام 2003، واصلت رحلتي الفكرية مع أحمد. لقد عشت معه ما يقرب من تسعة شهور خلال سنوات مجلس الحكم. اتسعت قراءاتُهُ واهتمامُهُ، ولكن حتى هنا كان انتقائياً بطريقة تليق بشخصيته. كما أنه كان مهتماً بالشفرات وفكّها. اعتاد أن يعطيني محاضرة عن الرموز وأصولها الرياضية، وكيفية بناء الشفرات عملياً بطريقة غير قابلة للاختراق. كان هذا عقداً ونصف العقد قبل أن يلتفت انتباه العالم إلى هذه الأمور.
إنّ الاهتمام بالشؤون السياسية لم يضعف من صفاته أو فكره الحاد. لكن الضغط الساحق للأحداث والأزمات كان له أثره. استطعتُ أن أرى مستوى قلقه المتزايد على آفاق البلد، وخاصة بعد غزو داعش. ليس لأن داعش سيتولى زمام الأمور. كان يعلم أن هذا لن يحدث، ولكن بالأحرى كيف تراجعت البلاد كثيراً عن وعد الأشهر الأولى بعد العام 2003.
سأحاول الإجابة عن سؤالين يثاران بانتظام عن أحمد. الأول، هل كان أحمد طائفياً؟ والثاني، هل كان يميل إلى إيران؟
الجواب عن السؤال الأول هو: لا، لم يكن طائفياً. لقد شعر أن الشيعة في العالم العربي قد تلقوا الأذى عبر التاريخ. فأراد تغيير مسار التمييز الذي تعرضوا له على مرّ القرون. لا يمكن الالتزام  بالفلسفات السياسية أو الأنظمة التي تتجاهل هذه الحقيقة التاريخية أو تغمرها. لكن أحمد لم يرغب في بناء دولة شيعية في العراق. تحدث في سنواته الأخيرة عن كيف أن تحرير الشيعة في العراق أدّى إلى تهميش المكونات الأخرى ومحاصرتها.
السؤال الثاني يتطلب فهم تفكيره الدقيق. لقد شعر أن لدى إيران حضارة فريدة يحبُّها بلا تردد.    كانت إيران بالنسبة لأحمد معقلاً للشيعة، ويمكن أن تكون مصدراً مهماً لدعم تطلعات الشيعة العراقيين. لكنه كان حريصاً جداً على فصل هذا الأمر عن الاعتماد على إيران سياسياً. قبل كل شيء، أراد لشيعة العراق أن تنموَ فيهم الثقة بالنفس، ولهذا كانت العلاقة الجيدة والإيجابية مع إيران ضرورية.
لم يكن أحمد أذكى رجل في العالم، لكنه كان أذكى رجل عرفتُهُ على الإطلاق. لا يكاد يمرُّ يوم من دون أن أتذكر واحدة أو أكثر من الحلقات التي ميزت حياتنا. كان لدينا رمز للتواصل مع بعضنا بعضاً، يعتمد بشكل أساس على مصطلحات الأنجلو-هندية التي لم يفهمها أحد سوانا.  
أجد نفسي أبتسم، بل وأضحك، عندما أتذكر هذه الحلقات. كان لديه حسُّ دعابةٍ مذهل. كان أحمد أفضل رفيق يتمناه المرء، لا سيما عندما يكسر حاجز الخجل.
كان يحبُّ الكتب والمكتبات، ولا يمكنني التفكير في نُصب تذكاريّ مناسب ودائم أكثر من تكريمِهِ بقاعةٍ خاصة في المكتبة الوطنية.