الشِّعرُ والوعيُ به

الخميس 20 كانون ثاني 2022 246

الشِّعرُ والوعيُ به
 طالب عبد العزيز 
 إذا صحت مقولة كارل ماركس عن التغيير السياسي: {إن الفقر لا يصنعُ الثورة، إنما وعي الفقر هو الذي يصنعها} فهنا تصحُّ مقولة وعي الثقافة أهمُّ بكثير من عمل الثقافة نفسها. استحضر المقولتين وأنا أقرأ قصائد لبعض الشعراء (سيكون ذكر الاسماء مستحيلا) لكنني، لا أشعر أبداً في إعمال الوعي بالشعر وما يكون أثناء الكتابة. 
 
  الوعي بما تشتمل الكلمة عليه، بدءًا من الشعر بكونه عملاً تتقدمه الفطرة، وهو أكبر من استعراض المهارات، ووقوعه خارج امتحانات الجمهور، وأبعد من أي ندبٍ ومديح وهجاء، أو تصويب لمسارات اجتماعية وسياسية، أو أي إنشاد وطني فجٍّ، مثلما هو أكبر بكثير من كونه معرفة لغوية، ومكنة ايقاعية، وتصوّر بنيَ على مسلمات جاهرة.
 يبدو الامر غريباً عند شاعر عبقري مثل السياب، أثرى فضاءنا الشعري بقصائد ما زلنا نرددها الى اليوم بوصفها الأمثولة والأنموذج لكننا، صرنا نعزف عن قراءة الكثير من قصائده (الوطنية) (قصيدة الى جميلة بوحيرد) (يوم  الطغاة الاخير) (المخبر) (قصيدة الى العراق الثائر) (بورسعيد) وغيرها الكثير، فهي قصائد لاتشكل قيمة إبداعية، وواضح أنها كتبت خارج وعي الشاعر بشعره، والامر لا يقتصر على السياب، إنما هناك العشرات من الشعراء العرب، الذين تدنى وعيهم عند كتابتهم لهذا النوع من القصائد، التي عبرت عن حس وطني مجرد، وبتنا نستحضرها كتأرخةٍ تسجيلية لوقائع كانت قائمة، ولم تعد ذات معنى اليوم.
 وقد تنبّه يوسف الخال الى ذلك قبل نحو من سبعين سنة، فقد كتب لبدر رسالة. 
* جاء فيها: أنت على خطأ يا صديقي في قولك إنني لا أمثل {واقع الحياة العربية تمثيلا كافياً، ولا أحمل هموم هذا الجيل العربي}، فأنا أفعل ذلك، بالقدر الذي يفعله من سميتهم أنت، غير أن الفرق، كما يبدو لي، هو في كيفية تمثيل واقع الحياة العربية و{حمل هموم هذا الجيل العربي} والخلاف بيننا، كما يبدو لي، هو في مفهومنا الشعري، لا السياسي، أرجوك}. 
  واضح أنَّ الخال لم يذهب الى الحرية عبر الفراغ العاصف، إنما ذهب الى الحرية ذاتها عبر العقل والمحبة، وإذا كان السياب وسواه مغامرين من الخارج فقد كان الخال وقلة من الشعراء مغامرين من الداخل، فهو مثل ديستوفسكي وبتهوفن ورامبو وفان جوخ، إذ ليس من تغنى ببطولة الموت على الصليب، وأنشد نشيده الخفي، والذي يرى في الشعر خلاصاً عابراً لكل الشرور كمثل من يرى الشعر في بطولات بور سعيد والجزائر وثورات يوليو وعبد الناصر ورمضان وغيرها. 
الشاعر الحقيقي هو من ينشد بحرية الشخص ومسؤوليته امام الوجود لا بحرية الجماعة، والذي يدعو للمحبة لا للكراهية، التي هي محرك الجماهير الوحيد نحو 
الثورة.
ترى، هل تجنى شوقي ابي شقرا على أحد حين كتب عن الشعر الحديث فلم يزد عن أربعين صفحة، لم يكن فيها غير بضعة أسطر للسيّاب وغير لا شيء لنازك الملائكة!؟.        
* دفاتر الأيام . يوسف الخال. دار رياض الريس.