خواطر

السبت 22 كانون ثاني 2022 211

خواطر
جواد علي كسار
تعود صلتي الثقافية بالراحل د. قيس العزاوي إلى منتصف ثمانينيات القرن المنصرم، ثمّ تطوّرت إلى معرفة عميقة ومباشرة بعد السقوط.
كان أول ما جمعنا مشروع عن الهوية العراقية، فقد لاحظتُ أن البعض يسعى لضرب أو في الحقيقة تغييب الوطنية العراقية، بذريعة عدم وجود أو غياب الاتفاق على هوية جامعة، مصوّراً أن العراق شاذ عن قانون الصيرورة والتكوّن في هذا المجال.
لذلك اتجه اجتهادنا إلى إرساء قاعدة نظرية صلبة للوطنية عبر الهوية، وأنها ممكنة دائماً بالانتزاع وليس بالتجريد، على النحو الذي لا يمكن أن نتخيّل خلو العراق من الهوية أبداً، في الماضي والحاضر كما المستقبل، إلا إذا افترضناه عدماً، وهو محال.
المعروف عن قيس وفاؤه للمدرسة العروبية والمنهج القومي، لكن من دون تطرف ضد الإسلاميين أو غيرهم، بل كان بالتصنيف الواقعي أقرب إلى ما يُعرف بتيار الوسطية الإسلامية، تشهد على ذلك مشاركاته في مجلتي «البديل» و«دراسات شرقية» وقبلهما أعماله في مجلة «الوحدة» المغربية، و«الفكر العربي» وسواهما، إضافة إلى مجموعة مهمّة من مؤلفاته في طليعتها، كتابه: «الفكر الإسلامي المعاصر».
كثيراً ما أخذتنا النقاشات في هذه النقطة إلى حافة حادّة فكرياً، كان يواجهها بالكثير من المرونة والقدرة على الاستيعاب، فقد كنتُ أذكر له صراحة أن الفكر القومي بشقيه الناصري والبعثي قد أصبح من الماضي، وإن هذين الاتجاهين يعيشان عجزاً وتكلساً فكرياً، بعد أن ابتعدا عن السلطة، بل كنتُ أتمادى أكثر وأنا أدعوه إلى تجاوز «عجائز» هذه المدرسة، بدءاً من عصمت سيف الدولة إلى آخر رموزها في الشام والعراق، لاسيما بعد أن فقدوا القدرة تماماً على إنتاج أي معرفة جديدة.
وضع في بغداد بالإضافة إلى صحيفة «الجريدة» اليومية، بذرة مشروع ثقافي متعدّد الأبعاد، من واجهاته مجلة «أبجد» التي صدر منها عددان لا يزالان يحملان خصائص التميّز، حتى بعد مرور عقد ونصف عليهما.
من أفق حوارات ما بعد السقوط، تحديداً عام 2004م، تساءل د. قيس نصاً؛ وأُعيد التساؤل تبعاً له: «فاتنا الأمس، والحاضر يلتحق به من دون توقف، فهل ينفلت منا المستقبل؟».