منحوتات جواد الحطاب الشعريَّة

الأربعاء 26 كانون ثاني 2022 361

منحوتات جواد الحطاب الشعريَّة
 د. أحمد جارالله ياسين 
 
في ديوانه (بروفايل للريح.. رسم جانبي للمطر) يتخذ جواد الحطاب من نصب الحرية الشهير في العراق طرفا آخر للحوار الشعري والجمالي معه، فيعمد إلى قراءة الواقع العراقي عبر لغة التكوينات التشكيلية المنحوتة في النصب التي تمثل نظيراً رمزياً لمكونات الحياة العراقية، فالديوان تسير مقاطعه بصرياً وحوارياً بموازاة النصب، حاملاً معه المفارقات الساخرة التي تقع مابين صور المنحوتات وكلمات المقاطع، وأحيانا يتعاضد الاثنان معا في تقديم رؤيته الشعرية للواقع العراقي لا سيما السياسي الماضي أو المعاصر. الحطاب لا يستطيع السير في حقول الشعر الشائكة من دون التحرش الجمالي بالكلمات بدءا من عنوان الديوان الغريب الذي يزج القارئ في فضاء فنين بصريين (الرسم والنحت)، مما يتطلب منه ثقافة بالفنين كي يستوعب هذا القفز من الشعر إلى الرسم والنحت.
 كما أنه يقترب بتحايل شعري من اسم الفنان جواد سليم وكأنه يريد التماهي معه في لحظة الكتابة/ الإبداع، فكلاهما اسمه (جواد): ((أنا جواد الحطاب قررت أن أغامر مع جواد سليم وأكتب عن تكويناته الراسية في ساحة التحرير)) ص5.
 وأرى أن أفضل قراءة للديوان يمكن أن تتم عبر رؤية نقدية ثقافية، لأنه مشبع بالأنساق الثقافية التي ترسم الملامح الخاصة بالشخصية العراقية لا سيما البغدادية، وتلك الخصيصة واحدة من أهم السمات التي تميز بها أسلوب جواد سليم في منحوتاته ولوحاته وأعماله التي عرفت بالبغداديات، والتي رسمت الشخصية العراقية البغدادية وطقوسها وتقاليدها وموروثاتها بأسلوب الحداثة الغربية فكان هذا المزيج من المحلية في المضمون والعالمية في الأسلوب بوابة التحديث في الرسم العراقي الذي انطلق على يد جواد سليم في آفاق الحداثة والتجريب. وأتصور أن جواد الحطاب يستحضر تلك الخصيصة الراسخة في أعماق المرجعيات الثقافية لذاكرته الشعرية.
ربما يحاول جواد الحطاب أيضا أن يرسم لنا ملامح هذه الشخصية معبراً عن محمولها الثقافي المعقد المختلف:
يكره العراقيون تزاوج الأسماء 
حتى.. صار لديهم (فيصل ثاني) 
قتلوه. ص10
فهذا المقطع مثلاً تتجلى فيه الرغبة بالتفرد والامتياز لدى الشخصية العراقية حتى في الأمور العادية، ومنها التسمية، التي يرى فيها العراقيون خصوصية لا يمكن أن تبيح للآخرين تعددها، فالحطاب ينتشل هذه الرؤية الاجتماعية ليفسر بها شعريا وبنحو ساخر مقتل أحد الزعماء الذين حكموا العراق (الملك فيصل الثاني)، وتلك الشخصية الاجتماعية (العراقية) يبدو أنها انفعالية وتميل عاطفيا للذهاب في المواقف إلى أقصاها مع أن المبررات ليست كافية، لذلك هو يفسر (شعريا) قتلها لفيصل الثاني لمجرد اقتران اسمه بالوصف (ثاني) الذي يعني تكرار الشخصية أو استنساخها، لا سيما إن كانت لزعيم سياسي. فالعراقيون عادة يخرجون بالشخصيات السياسية –سواء كانوا معها أو ضدها- من إطارها البشري ليرتقوا بها على آفاق أخرى تصل إلى حد التبجيل والتقديس، ومن ثم فإن تكرارها مستحيل، ومن يحاول ذلك يتعرض للمحو، حتى إن كان ذا قرابة معها كما حصل مع فيصل الثاني الذي يمثل امتداداً لفيصل الأول، وليس ضرورة أن يكون نسخة منه كما يتصور العراقيون –حسب وصف القصيدة – لهم..
لقد تحولت محبة الوطن إلى مرض وراثي من وجهة نظره الشعرية:
هل أحد يصاب بالجغرافيا؟!!
.. ولدنا مصابين بالعراق 
  والعراق هنا ليس مجرد فضاء جغرافي بالمعنى العلمي بقدر ما هو وطن ينتمي إليه العراقيون وجوداً وجذوراً وأرواحاً، ومنهم الشاعر، وإلى الحد الذي يتجاوزون به حدود وصفه الجغرافي ليكونوا جزءا من كيانه الحضاري والتاريخي والثقافي والسياسي وإلى درجة تقربهم من إدمان محبته، وكأنها حسب الوصف الشعري نوع من المصاب/ المرض الذي يستولي على الإنسان فلا يفارقه. وذلك الأمر امتياز آخر للشخصية العراقية وسط المجموعات البشرية الأخرى.
حبة دمع واحدة 
من عين أم..
كافية لتعقيم الملائكة.
 يمتلك الدمع بانتسابه للأم خصوصية إنسانية ومعنوية ونفسية، تتسرب من ذلك النسب إلى أكثر الكائنات رقة وحنانا ومحبة (الأم)، ولعل قيمة ذلك الدمع ترتفع معنوياً إن كان مبعثه الحزن أو الخوف على الأبناء، لكنه يبقى دمعا ذا امتياز إنساني خاص أيا كانت الدوافع وراء انهماره، لذلك يكتفي الحطاب باختيار حبة دمع واحدة من عين الأم لأداء مقترحه الشعري الخاص بتعقيم الملائكة!!.
 فالمفارقة الشعرية هنا تكمن في أن عملية التعقيم ستجري على الملائكة ممن هم أصلاً رمز النقاء والطهارة السماوية، وكأن الحطاب بهذه الرؤية الشعرية يجعل الأفضلية ليس لدمع الأم كله بل لحبة واحدة منه في حال التنافس على الطهارة والنقاء و(القدرة على التعقيم/ التطهير) بين الأم والملائكة!. وهذا الأمر سيعلي من شأنها ومكانتها وخصوصيتها في الفضاءين: الأرضي والسماوي. وهذه الرؤية الشعرية هي ثمرة النسقين الديني والاجتماعي اللذين يكرسان مثل هذه الخصوصية إلى الدرجة التي تتحول فيها إلى ثقافة راسخة في أعماق الشاعر، تتسلل فيما بعد عبر نافذة الشعر لكن بعد إعادة تشكيلها مجازيا بهذه الصورة التي تنهض على المفارقة. وفي ظل هذين النسقين لا يمكن استدراج الأم للحضور في الشعر إلا تحت مظلة من الرعاية الإيجابية الشعرية من جهة انتقاء المفردات المناسبة لوصفها، والصور المعبرة عن امتيازها المعنوي، لا سيما عند شاعر مشاكس مثل جواد الحطاب لا يعرف خطوطاً حمر إلّا عند الاقتراب من الأم: لفظاً، وأيقونة، ووجوداً، ورمزاً اجتماعياً ودينياً وثقافياً، فشعره عندما يقترب منها يكون أكثر هدوءا، وطفولة، ووداعة،
وألفة. 
 وعند موضعة النص في الديوان نجده متوازياً مع صورة لإحدى ايقونات نصب الحرية التي تصور مشهد الأم المحيطة بطفلها الصغير، ونرى شعرية المبالغة التشكيلية البديعة لجواد سليم الذي جعل جسد الأم مكوراً لا سيما عبر حركة اليدين اللتين أحاطتا دائرياً بطفلها إلى الدرجة التي غيبت جسد الطفل تماماً باستثناء رأسه الصغير وكأن اليدين تعيدان التشكيل الرحمي لوجوده قبل الولادة، وهذا المشهد كله يصور حنان الأم ورغبتها باحتضان وليدها ورعايته وحمايته، وبمعنى آخر هو يوازي شعريا (حبة الدمع) بقيمتها السابقة في النص التي تمتلك القدرة على رعاية الآخرين – سواء كانوا من أولادها أو من الملائكة – بتطهيرهم/ تعقيمهم. 
فالنص يستفيد من المصاحبة مع منحوتة جواد سليم في التأثير على عملية التلقي التي ينهض بها القارئ، إذ إن الطاقة النفسية المنبعثة من مفهوم (الأم) عبر الدالين اللغوي والتشكيلي ستتكاثف لحظة مرور القارئ بصرياً على النص والصورة، وبذلك يتعاطف معهما جمالياً ونفسياً. فضلاً عن ذلك صارت صورة المنحوتة للأم عنواناً مثالياً للمقطع لأن الشاعر صرّح في الديوان بأنه لا وجود لعناوين داخلية فالصورة هي من ستلعب هذا
الدور.