الثقافة المدرسيَّة... إلى أين؟

السبت 26 آذار 2022 1244

الثقافة المدرسيَّة... إلى أين؟
  علوان السلمان
 من المعروف أن المدرسة مؤسسة تربوية تعليمية، كون الإنسان لا يستطيع تحقيق ذاته إلا عن طريق التربية، لذا قيل مؤسسة تربوية أولاً، وما الفنون والآداب إلا وسائل لرؤية الكون والأشياء رؤية متفاعلة بحيث يمتزج الإنسان بالطبيعة والعكس، وهذا التفاعل مصدر متعة خلاقة من شأنه أن يزيد قدرة الإنسان على التأثير في الكون.
 ويكاد الكثير من المربين اليوم ينسون المهمة التي لا تستقيم سائر المهمات بدونها وهي ما ينبغي أن تسعى إليه المدرسة من رعاية لمحتوى التربية ومضمونها وبوجه خاص تعهد للثقافة بمعناها الواسع، فكرية كانت أو أدبية أو فنية أو علمية، كون الثقافة بمفهومها المعاصر(جملة المعلومات المكتسبة التي تسهم في إغناء وترقية ملكات الفكر عن طريق تطويرها وتدريبها مهما كانت طريقة اكتساب هذه المعلومات، ويتم هذا الاكتساب عن طريق القراءة والسفر والاختلاط والتجربة والتعليم..)، وهي رياضة الملكات البشرية بحيث يصبح الفرد على أتم النشاط والاستعداد للإنجاز، وهي ترقية العقل والأخلاق وتنمية الذوق السليم في الآداب والفنون، والثقافة غاية بحد ذاتها لأنها الفعالية الوحيدة التي توفر للذهن نوعاً من التوازن وتكفل تهذيب الشخصية والسير بها إلى أقصى درجات الكمال الممكنة.
 ومما يثير الدهشة والتساؤل اليوم هو انعدام الثقافة المدرسية والنشاط اللاصفي والذي أدى إلى تسرب الكثير بسبب المنهج الدراسي المقرر للامتحانات، لذا بات من الضروري على المدرسة أن تعي مهماتها التي يقع في مقدمتها تزويد الناشئة بزاد ثقافي يغني الذاكرة بكتلة من المعارف والعلــوم التي تعــرف الناشئ بعـــصره. 
وتربط هذا العصر بالتجربة الثقافية والتراثية وتجعله يرى العالم رؤية جديدة من خلال فهمه له فهماً جديداً وتمكنه من تكوين نظرة متكاملة عن الأشياء بدلا من النظرة المبعثرة المجزأة، وتحرك عقله ووجدانه وتوقظ البراكين الخامدة في أعماقه وتستطيع بالتالي أن تثير لديه متعة المعرفة وما فيها من إشراق ووجد، مثل هذه الثقافة قلما تعنى بها مدارسنا وقلما يدرك الكثير من المربين آفاقها وأبعادها الخلاقة، فالمدرسة اليوم أهملت المحتوى الثقافي للعمل المدرسي وعدم إدراك الدور الكبير الذي تستطيع أن تلعبه الثقافة الفنية والأدبية البارعة في جذب المدرسة للطالب وفي تعلقه العميق بالعلم والمعرفة (فلا مهرجانات أدبية ولا مسابقات علمية ولا...ولا..)، بل المهم التحضير اليومي والامتحاني فقط.
 إن ما تعنيه الثقافة ليس ما نعرفه ونألفه في المدرسة، بل تعني الثقافة التي تحدثنا عن ثروات الماضي والتي تعرف أن تصل ذلك الماضي بالحاضر، إذ إنها الدفاع عن التراث وإبرازه كما يقول اندريه مالرو، وتجعل هذا الحاضر حاضراً فعلاً أمام المتعلم، والثقافة التي تغني حياتنا اليومية عن طريق تعميق إدراكنا لكل ما فيها، بل عن طريق جعلنا قادرين على الاستمتاع بجمال الأشياء من حولنا، ثقافة تطلعنا على الحركة المستمرة المتصلة بالتاريخ وتجعلنا نحب الحاضر ونفهمه فهماً سليماً حين نربطه بماضٍ نستمتع بجماله وروعته، فمثل هذه الثقافة هي التي تبني الشخصية المتسقة المتكاملة، إن مثل هذه الثقافة تقوم المدرسة بغرس بذورها تدريجياً وتعهدها يومياً، عبر مراحل الدراسة المختلفة وترك الأمر للمجتمع بعد ذلك ليتعهدها ويرعاها.